هذه السورة الكريمة .
وقوله : * ( وَيَأْتِينَا فَرْداً ) * أي منفرداً لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك ، كما قال تعالى : * ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) * ، وقال تعالى : * ( وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً ) * كما تقدم إيضاحه .
فإن قيل : كيف عبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بحرف التنفيس الدال على الاستقبال في قوله * ( لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ ) * مع أن ما يقوله الكافر يكتب بلا تأخير . بدليل قوله تعالى : * ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) * ؟
فالجواب أن الزمخشري في كشافه تعرض للجواب عن هذا السؤال بما فصه : قلت فيه وجهان : أحدهما : سنظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله ، على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي : على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي :
* إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمة
* ولم تجدي من أن تقري بها بدا
*
أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة . والثاني أن المتوعّد يقول للجاني : سوف أنتقم منك . يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر ، فجردها هنا لمعنى الوعيد ا ه منه بلفظه . إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكلمته .
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة : من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعددة من كتابه ، كقوله تعالى : * ( قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( هَاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْألُونَ ) * . وقوله تعالى : * ( سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الاٌّ نبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ ) * ، وقوله تعالى : * ( كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ) * وقوله تعالى : * ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنَا مَا لِهَاذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ) * . وقوله تعالى : * ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) * : إلى غير ذلك من الآيات .
أضواء البيان — صفحة 508
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٠٨