تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
قوله : إنه يؤتى يوم القيامة مالا وولداً ، بالدليل المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد ، وعند الأصوليين بالسير والتقسيم . وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل . وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين : أحدهما حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر ، وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين ، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين . والثاني هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة ، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى . وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين ( بالسبر ) ، وعند الجدليين ( بالترديد ) ، وعند المنطقيين ، بالاستثناء في الشرطي المنفصل . والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة ، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث . وبذلك يتمم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه : أنه تؤتى يوم القيامة مالاً وولداً . أما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول : قولك إنك تؤتي مالاً وولداً يوم القيامة لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء : الأول أن تكون اطلعت على الغيب ، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ . والثاني أن يكون الله أعطاك عهداً بذلك ، فإنه إن أعطاك عهداً لن يخلفه . الثالث أن تكون قلت ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب . وقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله : * ( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَانِ عَهْداً ) * مبطلاً لهما بأداة الإنكار . ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل . لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب . ولم يتخذ عند الرحمن عهدا . فتعين القسم الثالث وهو أنه قال ذلك افتراءً على الله . وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله ، * ( كَلاَّ ) * أي لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك ، لم يطلع الغيب ، ولم يتخذ عند الرحمن عهداً ، بل قال ذلك افتراءً على الله ، لأنه لو كان أحدهما حاصلاً لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى . وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود : أنهم لن تمسَّهم النار إلا أياماً معدودة في سورة ( البقرة ) ، وصرح في ذلك بالقسم الذي هو الحق ، وهو أنهم قالوا ذلك كذباً من غير علم