مسألة
أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) * أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعا وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا . وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة . أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعا لا ينافي التوكل على الله بحال ؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه . فهو متوكل على الله ، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر . ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف .
ومن أصرح الأدلة في ذلك قوله تعالى : * ( قُلْنَا يانَارُ كُونِى بَرْداً وَسَلَامَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) * . فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجَّزأ إلى معان مختلفة ، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي كائنة برداً وسلاماً على إبراهيم . فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض ، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب ، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا .
ومن أوضح الأدلة في ذلك أنه ربما جعل الشيء سبباً لشيء آخر مع أنه مناف له : كجعله ضرب ميت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سبباً لحياته ، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته . إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت ؟ وذلك يوضح أنه جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب ، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جل وعلا .
ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله قوله تعالى عن يعقوب : * ( وَقَالَ يابَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ) * أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب ، وتسبب في ذلك بالأمر به ، لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلاً أبناء رجل واحد ، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام . فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطياً للسبب في السلامة من إصابة العين ؛ كما قال غير واحد من علماء السلف . ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه : * ( وَقَالَ يابَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ
أضواء البيان — صفحة 398
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٩٨