تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً ) * قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ . وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة . وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور ؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان ، وهو ظاهر الآية الكريمة ؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى : * ( فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ ) * أنه قول باللسان . واستدل من قال : إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسياً ، فإذا قالت لإنسي بلسانها إني نذرت للرحمن صوماً فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها . واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير رحمه الله ، قال في تفسير هذه الآية * ( فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * المراد بهذا القول الإشاءة إليه بذلك لا أن المراد القول اللفظي لئلا ينافي * ( فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى * ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * قوله : * ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * فقد رأيت كلام العلماء في الآية . وإن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق . وإن الثاني يدل عليه قوله : * ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقاً . قال أبو حيان في البحر : وقوله ( إنسياً ) لأنها كانت تكلم الملائكة . ومعنى كلامه أن قوله ( إنسياً ) له مفهوم مخالفة ، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه . والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق ، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائناً من كان . مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله * ( فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً ) * أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام ، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير . وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة ، كقوله : فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً ) * أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام ، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير . وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة ، كقوله : * إذا كلمتني بالعيون الفواتر * رددت عليها بالدموع البوادر * وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة الكلام ، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام ، وأقوال العلماء في ذلك . اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام ، وجاءت أدلة أخرى يفهم