وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * . فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله : * ( لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ) * وبين التوكل على الله في قوله : * ( عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته . والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع ، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع . وقد قال بعضهم في ذلك : عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته . والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع ، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع . وقد قال بعضهم في ذلك :
* ألم تر أن الله قال لمريم
* وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
*
* ولو شاء أن تجنيه من غير هزه
* جنته ولكن كل شيء له سبب
*
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن خير ما تطعمه النفساء الرطب ، قالوا : لو كان شيء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى ، قاله الربيع بن خيثم وغيره . والباء في قوله * ( وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) * مزيدة للتوكيد ، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه ، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب ، فمنه في القرآن قوله هنا * ( وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ) * لأن المتبادر من اللغة أن الأصل : وهزي إليك جذع النخلة ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) * ، وقوله : * ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) * . وقوله : * ( فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) * ، وقوله : * ( تَنبُتُ بِالدُّهْنِ ) * على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي ، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف ، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة . ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي : تَنبُتُ بِالدُّهْنِ ) * على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي ، لأن الرباعي الذي هو أنبت ينبت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف ، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة . ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي :
* إذ يسقون بالدقيق وكانوا
* قبل لا يأكلون خبزا فطيرا
*
لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد . وقول الراعي : لأن الأصل يسقون الدقيق فزيدت الباء للتوكيد . وقول الراعي :
* هن الحرائر لا ربات أخمرة
* سود المعاجر لا يقرأن بالسور
*
فالأصل : لا يقرأن السور ، فزيدت الباء لما ذكر . وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره :
أضواء البيان — صفحة 399
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٩٩