لا ارتباط أصلاً بين طرفيها ، فليس أحدهما سبباً في الآخر ، ولا ملزوماً له ، كما لو قلت : إن كان الإنسان ناطقاً فالفرس صاهل فلا ربط بين الطرفين ، لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور ، كقولك : لو لم يخف الله لم يعصه ، لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو الشرط ، بل هو شيء آخر غير مذكور ، وهو تعظيم الله جل وعلا ، ومحبته المانعة من معصيته . وكذلك قوله هنا : * ( فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً ) * سببه الحقيقي غير مذكور معه فليس هو قوله ( وإن تدعهم ) كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما . بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلاً .
ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى : * ( قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) * لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية ، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع ، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية . وكذلك قوله تعالى : * ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي : قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّى لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي :
* مقدم الشرطية المتصلة
* مهما تكن صحبة ذاك التال له
*
* لموجب قد اقتضاها كسبب
* فهي اللزومية ثم إن ذهب
*
* موجب الاصطحاب ذا بينهما
* فالاتفاقية عند العلما
*
ومثال الشرطية المتصلة اللزومية قولك : كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً ، لظهور التلازم بين الطرفين ، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين ، كقولك : كلما كان الشيء إنساناً كان حيواناً ، إذ لا يصدق عكسه .
فلو قلت : كلما كان الشيء حيواناً كان إنساناً لم يصدق ، لأن اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما ، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية ، أما إذا عدم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية . ومثالها : كلمة كان الإنسان ناطقاً كان الحمار ناهقاً . وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية ، والشرطية الاتفاقية ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى ( لو ) لأنهم أرادوا أن يجمعوا في
أضواء البيان — صفحة 315
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣١٥