وهو دليل أيضاً واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق . وقوله : * ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) * ، وقوله : * ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك . وهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم . وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضاً عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا : وهو أن يقول : قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها ، مع أن ظاهر الآية يدل عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب ، لأن ( إن ) من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه ، كقولك : اقطعه إنه سارق ، وعاقبه إنه ظالم ، فالمعنى : اقطعه لعله سرقته ، وعاقبه لعلة ظلمه . وكذلك قوله تعالى : * ( فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ) * أي أعرض عنها لعلة جعل الأكنة على قلوبهم . لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع ، وتارة بالختم ، وتارة بالأكنة ، ونحو ذلك سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه .
وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان : الأول أن يقال : ما مفسر الضمير في قوله : * ( أَن يَفْقَهُوهُ ) * وقد قدمنا أنه الآيات في قوله * ( ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ ) * بتضمين الآيات معنى القرآن . فقوله * ( أَن يَفْقَهُوهُ ) * أي القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريباً .
السؤال الثاني أن يقال : ما وجه إفراد الضمير في قوله * ( ذُكِرَ ) * وقوله : * ( أَعْرَضَ عَنْهَا ) * وقوله * ( وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) * مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله : * ( إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىءَاذَانِهِمْ وَقْراً ) * مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد ، وهو الاسم الموصول في قوله : * ( مِمَّن ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ ) * .
أضواء البيان — صفحة 312
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣١٢