تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
كون المعرض كالحمار ، كما قال تعالى : * ( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ) * . ومنها الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ، كما قال تعالى : * ( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) * . ومنها المعيشة الضنك والعمى ، كما قال تعالى : * ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى ) * . ومنها سلكه العذاب الصعد ، كما قال تعالى : * ( وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً ) * ومنها تقبيضي القرناء من الشياطين ، كما قال تعالى : * ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) * إلى غير ذلك من النتائج السيئة ، والعواقب الوخيمة ، الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات الله جل وعلا . وقد أمر تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره ، القاصر نظره على الحياة الدنيا . وبين أن ذلك هو مبلغه من العلم ، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده ، وذلك في قوله تعالى : * ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ ) * . وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافلي عنه في قوله : * ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) * كما تقدم إيضاحه . وقوله في هذه الآية : * ( مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ) * أي ما قدم من أعمال الكفر . ونسبة التقديم إلى خصوص اليد لأن اليد أكثر مزاولة للأعمال من غيرها من الأعضاء ، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في كلامهم ، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر باللسان والقلب ، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزوال باليد كالزنى . وقد بينا في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) وجه الجمع بين قوله * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ ) * ، وقوله : * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) * ونحو ذلك من الآيات . وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان : أحدهما أن كل من قال الله فيه : ومن أظلم ممن فعل كذا ، لا أحد أظلم من واحد منهم . وإذاً فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضاً ، فلا إشكال في كون كل واحد منهم لا أحد أظلم منه . والثاني أن صلة الموصول تعين كل واحد في محله . وعليه فالمعنى في قوله * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِأايِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ) * . لا أحد أظلم ممن ذكر فأعرض أظلم ممن ذكر بآيات ربه