وقوله تعالى : * ( وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِى اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّ بِينٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وما فسرنا به قوله تعالى : * ( وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً ) * من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السباق الذي نزلت فيه الآية الكريمة ، لأن قوله : * ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ) * أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم : بدليل قوله : * ( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ ) * ، وقوله : * ( وَتِلْكَ الاٌّ مْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) * فلما أتبع ذلك بقوله : * ( وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىءٍ جَدَلاً ) * علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصوصة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل . ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها . لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما بيناه بأدلته فيما مضى . ولأجل هذا لما طرق النَّبي صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة رضي الله عنهما ليلة فقال : ( ألا تصليان ) ؟ وقال علي رضي الله عنه : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا . انصرف النَّبي صلى الله عليه وسلم راجعاً وهو يضرب فخذه ويقول : ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ) والحديث مشهور متفق عليه . فإيراده صلى الله عليه وسلم الآية على قول علي رضي الله عنه ( إنما أنفسنا بيد الله ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ) دليل على عموم الآية الكريمة ، وشمولها لكل خصام وجدل ، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق ، كقوله تعالى : * ( وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) * . وقوله ( جدلاً ) منصوب على التمييز ، على حد قوله في الخلاصة : وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) * . وقوله ( جدلاً ) منصوب على التمييز ، على حد قوله في الخلاصة :
* والفاعل المعنى انصبن بأفعلا
* مفضلاً كانت أعلى منزلا
*
وقوله * ( فِى هَاذَا الْقُرْءَانِ ) * أي أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلاً كما تقدم . وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة كما في هذه الآية ، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله
أضواء البيان — صفحة 302
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٠٢