تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
قالوا * ( فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَى طَعَامًا ) * هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول . ولقائل أن يقول : قوله عنهم * ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ) * يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم . والله تعالى أعلم . وقد يجاب عن ذلك بأن رد العلم إلى الله لا ينافي العلم ، بدليل أن الله أعلم نبيه بمدة لبثهم في قوله : * ( وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ) * ، ثم أمره برد العلم إليه في قوله : * ( قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ ) * . وقوله * ( بَعَثْنَاهُمْ ) * أي من نومتهم الطويلة . والبعث : التحريك من سكون ، فيشمل بعث النائم والميت ، وغير ذلك . وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر الله جل وعلا حكمة لشيء في موضع ، ويكون لذلك الشيء حكم أخر مذكورة في مواضع أخرى فإنا نبينها . ومثلنا لذلك ، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك . وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حكم بعثهم إظهاره للناس : أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً . وقد بين لذلك حكماً أخر في غير هذا الموضع . منها أن يتساءلوا عن مدة لبثهم ، كقوله : * ( وَكَذالِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ) * . ومنها إعلام الناس أن البعث حق ، وأن الساعة حق لدلالة قصة أصحاب الكهف على ذلك . وذلك في قوله : * ( وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا ) * . واعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة * ( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ ) * الآية لا يدل على أنه لم يكن عالماً بذلك قبل بعثهم ، وإنما علم بعد بعثهم . كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة ا بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون ، لا يخفى عليه من ذلك شيء . والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثر . وقد قدمنا أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علماً جديداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً قوله تعالى في آل عمران : * ( وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) * فقوله