الشريفة ودعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، فهو يستند في فهمه للقرآن إلى ظواهر الألفاظ وخصائص الكلمات ، إلّا أنّ روح التعصّب إذا استولت على عالم تدفعه إلى ما يأباه الذوق السليم والطبع القويم ، بحيث أخذ يتخبّط تخبط عشواء ليموّه على الحقائق التي انطوت عليها الآية الكريمة . فقد علّق صاحب تفسير المنار على عبارة « إنّك أنت العزيز الحكيم » بأنّها وردت لتزيل إشكالًا قد يتبادر إلى الأذهان بأنّ دعوة إبراهيم تتنافى والطبع العربي ؛ لأنّ العرب تقولبت بالبداوة وأنست بالغلظة والخشونة ، وعليه فالأقوام العربية لا تأنس بالعلم والحكمة ، بل هي عدوة للتهذيب والتربية ، فالبداوة العربية لا تخضع قطّ للنظم الاجتماعية وهي بعيدة عن الحضارة والمدنية ، فطبيعتهم البداوة ، ولمّا كان تعليم الكتاب والحكمة وتهذيب الأخلاق لا يعني سوى التسليم للنظام الاجتماعي وتقبّل الحضارة والمدنية والتطبّع بالعادات الإنسانية ، فأنّى لإبراهيم أن يدعو اللَّه بأن يبعث محمّداً صلى الله عليه وآله ليعلّم أولئك العرب الكتاب ؟ ويعلّمهم الحكمة ويزكّيهم ويهذّب أخلاقهم . فقد حصر صاحب « المنار » هذا السؤال في زاوية حرجة ، ثمّ قال للهرب منه :
نعم ، إنّ هذا الوهم وارد لو لم يكن اللَّه عزيزاً وحكيماً ، وحيث إنّ إبراهيم عليه السلام يعلم بأنّ اللَّه عزيز وحكيم ، فإنّ ذلك الوهم ليس بوارد . أجل ، فاللَّه عزيز وحكيم وبيده حلّ جميع المشاكل ، وليس هنالك من شيء يمكنه أن يقف حائلًا أمام إرادته ، إذن ، صحيح أنّ العرب تعادي العلم والحكمة والمدنية ، إلّا أنّ إبراهيم عليه السلام يعلم بأنّ اللَّه عزيز وحكيم ، وعليه فدعوته ليست مستحيلة ، فللقادر العزيز أن يبلغ بهذه الأُمّة منتهى العلم والتمدّن ويجعلها مستعدّة لحمل أعباء الرسالة « 1 » . كانت هذه بعض العبارات التي ذكرها صاحب المنار بشأن الآيات الكريمة ،
هامش
( 1 ) تفسير القرآن الحكيم ، الشهير ب « تفسير المنار » : 1 / 465 - 473 .