الحنفية وسائر بني هاشم ، كما لم يزحزحه عن موقفه ما أشار به عليه عبد اللّه بن الزبير وعبد اللَّه بن عمر ، إلى جانب تحذير عبد اللّه بن جعفر ومنع عبد اللّه بن المطيع الإمامَ من الحركة ، إضافة إلى آراء العارفين بأوضاع الكوفة الذين أوجزوا له حالة أهل الكوفة بأنّ « سيوفهم عليه » « 1 » . فلم تتمكّن كلّ هذه المحاولات الواقعية من ثني الإمام عن عزمه ، فواصل مسيرته وهو يقول : « إنّ اللَّه لا يغلب على أمره » « 2 » ولمّا بلغ موضع « البيضة » خطب الناس وعسكر الحرّ بن يزيد وكشف النقاب عن أهدافه ، فأيقن الحرّ بعد ما رأى من عزم الإمام عليه السلام وشدّة حملته على يزيد وأذنابه أنّه مقتول لا محالة ، فحذّره الحرّ بعد أن لمس استعداد الإمام عليه السلام للتضحية والقِتال ، أراد الحرّ أن يخوّف الإمام بالموت ، وهل يهاب الموت مثل الإمام ؟ ثمّ أنشده الإمام ذلك الشعر الذي ارتجز به الأوسي لابن عمّه حين همّ بنصرة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى خيراً وجاهد مُسلما « 3 »
نعم ، فقد جرت عادة أئمتنا عليهم السلام على تذكير الناس بالموت ، وليس لنصح المشفقين ولا خوف المرعوبين ولا تهديد الجبّارين أن يثنيهم عن عادتهم ، فهم ممّن يستبشرون بالموت والشهادة ، الموت من أجل حياة القرآن والإسلام ، الموت من أجل بقاء اسم صاحب الرسالة محمّد صلى الله عليه وآله ، وإذا كان حالهم هكذا فكيف يزعم المؤلّف أنّ شهادته لم تكن سوى الدفاع عن النفس ، وخاصّة حين يئس تماماً من الحياة وأغلقت عليه جميع منافذها ! إنّنا نلهج بخطاب الإمام عليه السلام : يا أبا الأحرار ، يا قبلة الثوّار ، يا مصباح الهدى وسفينة النجاة ، يا محيي القرآن والسنّة ، مدرستك مدرسة الجهاد والتضحية والشجاعة والقيم الإنسانية ، مدرسة التوحيد والإخلاص والعبودية ، مدرسة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 44 : 364 .
( 2 ) تقدّم في ص 302 .
( 3 ) الكامل لابن الأثير 4 : 49 .