دون جهلهم وأنانيّتهم ، بل هذا هو حال الأكثرية دائماً ، القوانين السماوية تتضمّن كافّة مفاهيم العدل والكمال والجلال ، إلّا أنّها لا تفرض مفاهيمها على الناس قسراً ، فهي تطرح مشاريعها على الناس « وَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ » « 1 » ، ولا يلومنّ إلّا نفسه . إنّ هدف الأنبياء هو جمع الناس على الدين والعبادة التي تكفل الفلاح والسعادة ، إلّا أنّ هذا الهدف لم يدخل حيّز التطبيق أبداً :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
« 2 » . فالدين الإسلامي الذي جاء لتكامل الإنسان إنّما يمتلك الجهاز القيادي الكامل الذي لا يألو جهداً في إشاعة مفاهيم القرآن ، إلّا أنّهم وبدءاً برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام إنّما اصطدموا بجمّ من الحوادث التي تعرقل مشاريعهم وأهدافهم ، وقد بلغت هذه الحوادث ذروتها حتّى صوّرها أمير المؤمنين عليه السلام :
« فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا » « 3 » . وحين تدافعت الامّة لإمارته ، ولم يكن له بدّاً من قبولها رغم نفرته منها قال :
« لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ اللَّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها . . . » « 4 » ألم ينتصر المسلمون في ظلّ قائدته ، ويتّسع نور الإسلام في أطراف الدنيا ؟ أو يمكن تصوّر تقاعس الإمام عن القيام بوظيفته في الزعامة ؟ الواقع هو أنّ الدافع الذي كان يقف وراء رفض الإمام عليه السلام للزعامة هو علمه بهذه الصدور التي ملأت حقداً وغيضاً وطمعاً ، فما أكثر أمثال طلحة والزبير ومعاوية ، ولم تكن سيرة علي عليه السلام
هامش
( 1 ) اقتباس من سورة الكهف : الآية 29 .
( 2 ) سورة يس : الآية 30 .
( 3 ) نهج البلاغة : 83 .
( 4 ) نهج البلاغة : 90 .