وقيادته من أجل تحقيق النصر ، عن معارك الإسلام والانتصارات الباهرة التي حقّقها جدّه وأبوه في تلك المعارك ، لم لا يتحدّث عن معركة الجمل ؟ لو كان يأمل بالنصر لكان من المناسب الحديث عن تلك المعارك لا عن حادثة يحيى ! الإمام عليه السلام يمثّل قمّة الأدب والبلاغة ، وعليه أن يتكلّم بما ينسجم ومقتضى الحال ، لو كان هناك من أمل بالغلبة والنصر ؛ فإنّ مقتضى الحال يتطلّب من الإمام التحدّث عن قضية أبناء الطلقاء عند فتح مكّة وكسر شوكة أبي سفيان ، ليشتدّ عزم الأصحاب في خوض المعركة ، فيزيد ابن ذلك المدحور المهزوم في معارك الإسلام . إذن ، فإثارة الإمام لحادثة يحيى تفيد شيئاً آخر يجعل الحسين عليه السلام يحثّ الخُطى لاستقباله . نعم ، هذه هي الطريقة التي تجعل سيد الشهداء عليه السلام يحطّم حاجز الصمت ويخرج من تلك الحيرة العظيمة ، ولذلك يتكلّم خلال المسيرة عن الموت والشهادة إلى صحبه ، ثمّ أخذ الإمام يخوض في التفاصيل أكثر فأكثر كلّما اقترب من أرض كربلاء . فقد نقل مثلًا رؤياه إلى ولده عليّ بن الحسين وهو يسترجع كثيراً ، ثمّ أخبره بأنّه سمع منادياً ينادي « القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم » « 1 » . ونرى أنّ الإمام إنّما يهدف من هذه الكلمات إلى إعداد صحبه ولا سيّما أهل بيته إلى ما سيواجههم من حوادث ، ولذلك يردّ عليه « لا نبالي نموت محقّين » « 2 » .
نعم ، كان الإمام عليه السلام يعلن عن هذه الأحداث رغم أنّ المسافة كانت بعيدة نسبياً عن يوم عاشوراء وأرض كربلاء . على كلّ حال أدرك الجميع أنّه آن الأوان لتلك الروايات والأحاديث والأخبار التي صرّح بها النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام . ثمّ تحدّث الإمام عن الموت أيضاً حين التقى الحرّ بن يزيد - طبق نقل الطبري
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 308 .
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 308 .