2 - نقل ابن الأثير في الكامل حادثتين ، وسنورد عباراته ثمّ نناقشها ، فقد قال : « فلمّا أتى الحسين خبر قتل أخيه من الرضاعة - في منزل زُبالة - ومسلم بن عقيل - في منزل الثعلبية - أعلم الناس ذلك وقال : قد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام ، فتفرّقوا يميناً وشمالًا حتّى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكّة ، وإنّما فعل ذلك لأنّه علم أنّ الأعراب ظنّوا أنّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله فأراد أن يعلموا علامَ يقدمون . ثمّ سار حتّى نزل بطن العقبة ، فلقيه رجل من العرب فقال له : أنشدك اللَّه لما انصرفت ، فوالله ما تقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف ، فإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القِتال وطّئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً ، فأمّا على هذه الحال التي تذكر ، فلا أرى أن تفعل ، فقال : إنّه لا يخفى عليّ ما ذكرت ، ولكنّ اللَّه - عزّ وجل - لا يغلب على أمره ، ثمّ ارتحل منها » « 1 » . فالذي نخلص إليه هو أنّ الإمام عليه السلام لم يشعر بأيّ تردّد حين أخبر بقتل رسوله مسلم بن عقيل ولم تضعف إرادته ، ثمّ يواصل مسيرته رغم تصريحه بعدم وجود جيش لنصرته في الكوفة وأنّ أشياعه لم يفوا بعهودهم ، فهل يفهم من كلامه عليه السلام :
« خذلنا شيعتنا » أنّ البعض قد تخلّى عن نصرتنا ؟ أم قصده زال مركز ثقلنا ولم نعد نمتلك القوّة الشعبية الموالية هناك ؟ وما إن سمع البعض مقالة الإمام حتّى تفرّقوا يميناً وشمالًا ، فهل بقي من أمل بالنصر فلم تقطع الصلة لحدّ الآن بين القيادة والجيش ؟
أفلا يعني رفع البيعة والتخيير بالبقاء والانسحاب أنّ باب النصر قد أُغلق ؟ فلِمَ واصل الإمام حركته ولم يتردّد حتّى بلغ كربلاء ! لِمَ رجع مَن التحق به في الطريق ممّن يبحثون عن الطعام الدسم ، بينما وأكبه من انطلق معه من مكّة ممّن سمع خطبته
هامش
( 1 ) الكامل لابن الأثير 4 : 43 .