لأنّه يروي عن أبي مخنف الذي يرى البعض أنّه يأبى الخدش والطعن ، وزهير هو ذلك الرجل الذي كان يتحاشى لقاء الإمام حين رجع من مكّة بعد أن أدّى مراسم الحجّ ، إلّا أنّه التقى الإمام صدفة ، كان زهير يأبى لقاء الإمام والالتحاق بركبه ، فما الذي سمعه خلال ذلك اللقاء ؟ وما ذا رأى ؟ حتّى يعود إلى خيمته ويودّع صحبه ، أو لم يكن يدرك بأنّه سيرد ميداناً يحصل فيه على الشهادة ؟ ألم يذكّره الإمام عليه السلام بتلك القصّة ويبيّن له حقيقة الأمر ؟ أفقال له الإمام عليه السلام : إذا وقفت إلى جانبي فإنّي لأرجو أن أنتصر وأستولي على الكوفة وستصبح من أعيانها وأشرافها في الحكومة ؟ لو كان هذا ما قاله الإمام لزهير لما ودّع قومه وقال : إنّه آخر العهد ، فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد أخبره بواقع الأمر . إذن ، فالإمام كان عالماً بعواقب الأُمور وقد أخبر بها زهير ووعده بالشهادة ، وهذا هو الأمر الوحيد الذي من شأنه تفسير حديث زهير ، ولم يكتف الرجل بهذا المقدار ، بل تطرّق إلى معركة بلنجر وحديث سلمان ، وعليه : فسلمان كان يعلم بهذه الحادثة أيضاً ، سلمان الفارسي « 1 » الذي تربّى على يد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . ولا أريد أن أقول بأنّ سلمان كان على علم بكلّ تفاصيل الحادثة ، إلّا أنّه كان على يقين بتلك الواقعة المريرة على الحسين عليه السلام ، وكان يعلم أنّ زهيراً أيضاً سيشارك فيها ، وكان زهير أيضاً على يقين بأنّ المراد بالحديث كربلاء وشهادته هناك . فهل ما زال الإمام يفكّر بتحقيق النصر والقضاء على الحكومة الظاهرية ليزيد وتسلّم مقاليد الحكم ؟ فسلمان كان يعلم بتلك الحادثة التي سيحصل فيها زهير على الشهادة دفاعاً عن إمام الإسلام والمسلمين ، بينما ليس للحسين عليه السلام مثل هذا العلم وتفاصيل الحركة مجهولة بالنسبة له ، وليس لديه ما يقوله سوى : « لا ندري على ما تتصرّف بنا وبهم الأمور » .
هامش
( 1 ) ذكر ابن الأثير في الكامل 4 : 42 أنّه سلمان الفارسي ، وكذا المفيد في الإرشاد 2 : 73 وغيرهما .