تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في مكة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
الأولى أن أهل مكة كانوا على وعى كامل بقدرات الانسان لكنهم نسوا خلق الانسان ( بفتح الخاء ) ، وكانت النظرة البدوية على وعى كبير أيضا بقوة الانسان ، لكنها نظرة خفف من غلوائها اعتقادهم في القضاء والقدر ، وإذا تناولنا التراث الاسلامي باعتباره دالا بعض الشئ على النظرة الجاهلية « 22 » ( النظرات التي كان سائدة قبل ظهوره - أي الاسلام ) ، فهناك أربعة أمور خارج سيطرة الانسان : الرزق ، وساعة الوفاة ، والسعادة والشقاء ( في الحياة الدنيا ) ، وجنس المولود ( ذكر أم أنثى ) ، وخارج هذا فللانسان أن يفعل ما يشاء ، ان في استطاعته أن يمارس كل ما تنطوى عليه كلمة ( المروة ) خارج هذه الأمور الأربعة التي لا يد له فيها وسواء تصرف وفقا لما تقتضيه مبادئ المروة أم لا ، فان هذا يتوقف عليه هو ( على الشخص نفسه ) ، وعلى ميراثه ( من أجداده ) ، وان كان هذا العنصر الأخير غير محدد بما فيه الكفاية كما أنه مرتبط بما لا دخل للانسان فيه . وعلى أية حال ، فهذه الحدود للقدرة البشرية التي اعترف بها البدو لم تكن واضحة تماما في مكة ، فالقوة المالية يمكنها أن تعوض كثيرا مما يترتب على نقص المطر ، والمجاعة يمكن معالجة نتائجها بالاستيراد . ومرة أخرى ، فقد كان من اليسير طوال جيل أو جيلين اعتبار امتلاك ثروة كبيرة أمرا مرتبطا بالسعادة ، بل قد تبدو الثروة قادرة على مد أجل الانسان ، وهكذا كانت هناك مبالغة في تقدير قدرة الانسان وسلطانه وطغيانها على الحياة العقلية في مكة . والنقطة الثانية المهمة لا تبعد عن النقطة الأولى التي ذكرناها لتونا بل انها شديدة الارتباط بها ، فحقيقة أن زعماء مكة - الذين كان في حوزتهم أكبر قدر من السلطة السياسية - لم يكونوا أمثلة بارزة للمروة ، ولا بد أن هذا قد أثار شكوكا عقلية لدى المفكرين في ذلك العصر - شكوكا حول جوهر المروة كقيمة ، وربما أيضا أثار شكوكا حول أثر الوراثة في انتقال المروة أو على الأقل القدرة على تحمل قدر كبير منها . ومثل هذه الأفكار تقوض الأساس النظري للتضامن القبلي وتشجع التطور نحو الفردية .
هامش
( 22 ) انظر الفصل الأول ، الفقرة ( 4 ) .
محمد ( ص ) في مكة — صفحة 160 | مونتجمرى وات / عبد الرحمن عبد الله شيخ حسين عيسى