تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد ( ص ) في مكة — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وعلى أية حال ، فالمسألة لم تكن بسيطة ، انها ليست مجرد احياء للمثل البدوية القديمة وانما كانت انتاجا لمثل عليا أخلاقية جديدة تتناسب وحاجات الحياة المستقرة . فكان انقاذ ما يمكن انقاذه جزا من المهمة لكنه أصغر أجزائها . فكثير مما هو جديد سيكون مطلوبا أيضا ، وقد تناول القران الكريم هذا الجزء الأكبر في بواكير ما نزل منه بتمهيد الطريق لايجاد قيم أخلاقية جديدة ، أعنى أوامر اللّه ورسوله التي عن طريقها ستصل هذه القيم الجديدة . وقد وجه القران الكريم أوامره في شكل مبادئ أو قيم عامة ، دون التعرض للتفاصيل : وكون هذه القيم الجديدة التي يبثها القران الكريم ما هي الا أوامر من اللّه سبحانه ، فان ذلك يشكل وازعا جديدا للالتزام بها ، هذا الوازع الذي ارتبط بالحساب في اليوم الآخر ، لقد حل هذا الوازع في بعض الحالات محل أي وازع قديم . وصعوبة هذه المهمة الجديدة تتضح بالنظر إلى القدر في مفهوم ( التزكى ) . فالمعنى الأصلي للتزكى - فيما يبدو - قريب من معنى الصلاح والتقوى ، وربما انطبق معنى الكلمة على الانسان الذي يؤمن بالمبدأ الذي مؤداه أن قدر الانسان النهائي أو مصيره النهائي معتمد على القيم الأخلاقية التي يطبقها في حياته . وعلى أية حال ، فان هذا المفهوم لم يكن مفهوما عربيا محليا ، وبدأ بالتدريج يختفى من القران الكريم ( المقصود أنه ورد في أوائل ما نزل من القران ولم ينزل في أواخر ما نزل منه ) وحلت محله فكرة اسلام الوجه للّه أو التسليم بقضاء اللّه وقدره . وحتى إذا كان هناك تركيز شديد على الجانب الأخلاقي للتزكى بالقول ان هذه الكلمة تعنى الصلاح والتقوى ، فان اهمالها ( عدم نزولها بعد ذلك ) يعد مثالا على الصعوبة الكامنة في ايجاد مفاهيم جديدة يمكن أن تتجذر بنجاح وتلتحم بعمق في القيم المحلية ( العربية ) عميقة الجذور .

( ج ) الجانب العقلي

الجوانب العقلية للمسائل التي واجهت العرب أيام محمد صلّى اللّه عليه وسلم أقل أهمية ، لكن لا ينبغي اهمالها تماما ، فهناك نقطتان مهمتان يجب وضعهما في الاعتبار .