عن محمد بن داود ، عن محمد بن عطية ، قال : جاء إلى أبي جعفر عليه السّلام رجل من أهل الشام من علمائهم ، فقال : يا أبا جعفر جئت أسألك عن مسألة قد أعيت علي أن أجد أحدا يفسرها وقد سألت عنها ثلاثة أصناف من الناس ، فقال كل صنف منهم شيئا غير الذي قال الصنف الآخر ، فقال له أبو جعفر عليه السّلام « ما ذاك ؟ » قال : فإني أسألك عن أول ما خلق اللَّه من خلقه فإن بعض من سألته ، قال : القدر وقال بعضهم : القلم ، وقال بعضهم : اللوح .
فقال أبو جعفر عليه السّلام « ما قالوا شيئا ، أخبرك أن اللَّه تعالى كان ولا شيء غيره ، وكان عزيزا ، ولا أحد كان قبل عزه وذلك قوله سبحانه « سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » ( 1 ) وكان الخالق قبل المخلوق ولو كان أول ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا ولم يزل اللَّه إذا ومعه شيء ليس هو يتقدمه ولكنه كان إذ لا شيء غيره وخلق الشيء الذي جميع الأشياء منه ، وهو الماء الذي خلق الأشياء منه ( 2 ) فجعل
هامش
( 1 ) الصافات / 180 .
( 2 ) قوله « وهو الماء الذي خلق الأشياء منه » الماء عند ثاليس الملطي هو مبدأ الأشياء ، والظاهر أنه أخذ رأيه هذا عن التوراة واستحسنه ، وقد روي مثل هذا الكلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة ، ولما كان عالم العناصر خلق للتغير والتبدل والانتقال من صورة إلى صورة ، والجسم إما أن لا يكون قابلا للانفعال وقبول الصور المختلفة كالريح والنار ، وإما أن يكون قابلا بالسهولة كالماء أو غير قابل كالأرض والأحجار إلا بصعوبة ، أما الريح والنار فلا يمكن أن تكونا أصلا في الغرض المخلوق لأجله عالم العناصر لعدم حفظهما الصور وفائدتهما الفعل والتأثير ، وأما الأرض فغير قابلة أيضا بسهولة ، والغرض من خلقتها أن يخلطه بالماء ليحفظ الصور المتجددة الطارية على الماء ، ولو لم تكن الأرض كان زوال الصور عن الماء سهلا كحصول الصور ، فثبت أن الأصل في عالم العناصر هو الماء والعناصر الباقية في الرتبة الثانية ، والأصيل مقدم في الوجود ، وأيضا نعلم أن كل جسم له صورة وشكل ، ولا يمكن أن يحصل الصورة والشكل إلا في حال الميعان ، فكل جسم كان في مبدأ وجوده بحال الميعان ، والماء في الخبر بمعناه الأعم شامل للمائع .
ويقول أهل عصرنا أن الأرض أيضا كانت مائعة ثم انجمد قشر منها ، ولذلك إذا تفجر منها البراكين خرج منه شيء مذاب وينعقد بعد خروجه ، والله العالم . وكان المراد من السماء الطبقات العليا من الجو لا الأثير ، وما ذكره المصنف أيضا وجه وجيه . « ش » .