عامر ، عن داود بن الحصين ، عن منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : رجل تزوج امرأة وسمى لها صداقا ثم مات عنها ولم يدخل بها ، قال « لها المهر كاملا ولها الميراث » ، قلت : فإنهم رووا عنك أن لها نصف المهر قال « لا يحفظون عني ، إنما ذلك للمطلقة » .
بيان :
رجح في التهذيبين الأخبار الأخيرة لمطابقتها لظاهر عموم قوله عز وجل « وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ( 1 ) » ، بخلاف الأولة فإنها مخصصة له ، قال : ولا يجوز أن يكون المخصص للمعلوم إلا معلوما مثله ، وليس كذلك حال هذه الأخبار لأنها ليست معلومة مثل القرآن .
أقول : القرآن وإن كان قطعي المتن ولكن دلالته من حيث العموم ظنية والأخبار بالعكس من ذلك لأنها وإن كانت ظنية إلا أن دلالتها من حيث الخصوص قطعية فيتكافيان ، ثم أول الأولة تارة بأنها إنما قيلت في المطلقة فوهم الراوي كما دل عليه الخبر الأخير ، وأخرى بحملها على أنه يستحب للمرأة أو لأوليائها أن يتركوا النصف ثم فصل في الفتوى بالفرق بين ما إذا مات هو وبين ما إذا ماتت هي ، ففي الأول لها التمام وفي الثاني النصف لخلو الأخبار المشتملة على موتها عن ذكر التمام ، قال : وأما ما عارضها من الأخبار في التسوية بين موت كل منهما في وجوب نصف المهر فمحول على الاستحباب ولا يخفى ما في هذا الجمع والتأويل والأولى حمل إحداهما على التقية ( 2 ) ، ثم إن كان إلى التعيين سبيل وإلا
هامش
( 1 ) النساء / 4 .
( 2 ) قوله « حمل إحداهما على التقية » مقصود المؤلف هنا غير واضح لأن مفاد الروايتين مختلف ، ولا بد من اختيار أحدهما في مقام العمل والفتوى على التعيين ، ولا معنى لحمل إحداهما لا على التعيين على التقية إذ لا فائدة فيه ، ويبقى الحق مبهما بعد الحمل أيضا ، وإن لم يكن الغرض رفع الإبهام وتعيين الحكم فلا وجه للجمع والحمل على التقية وغيرها ، ثم إن أهل السنة متفقون على أن المهر لا ينصف بالموت ، فإن كان إحدى الروايتين صادرة عن تقية كانت هي ما تدل على عدم التنصيف ، أعني ما هو المشهور بيننا ، ولا سبيل إلى حمل القول المشهور بيننا على التقية ، وأولى المحامل ما ذكره الشيخ « ره » وأومى إليه في خبر منصور بن حازم أن الرواة وهموا واشتبه عليهم المطلقة بالمتوفى عنها زوجها ، وقد يتفق لبعض الرواة الغالين في عداوة المخالفين والمبالغين في خلاف المنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام أن يجاوزوا الحد ويلزموا مورا من غير عمد ليخالفوا أهل الخلاف تدعوهم إلى ذلك شدة علاقتهم بالتشيع كما نرى جماعة في الأعصار المتأخرة ينكرون استحباب صوم عاشوراء مع الاتفاق على استحبابه ليخالفوا المخالفين ، ويلتزمون بتحريف القرآن ليطعنوا به على أعداء أهل البيت عليهم السلام ، مع أن مطاعنهم في الكثرة بحيث لا يحتاج معها إلى اثبات التحريف وهدم أساس الدين .
وبالجملة فلا يبعد أن يكون جميع الأخبار التي تدل على تنصيف المهر بالموت على كثرتها مما توهم الرواة فيه ليخالفوا العامة لا عمد بل لأن الشنآن والمحبة شبها الأمر عليهم كما في أحاديث عدم نقصان شهر رمضان أبدا ، وعلى الناظر أن يعتبر ذلك ويرى مقدار الاعتماد على الأخبار المنقولة ويعترف بأنه يجب في اثبات حجيتها تتبع الأدلة الخاصة ولا يحصل منه الظن الاطميناني أو العلم العادي كما يدعيه صاحب الحدائق .
وننقل هنا ملخصا مما ذكرنا في الرسالة الموسومة بالمدخل إلى عذب المنهل ، قلنا فيها : اعلم أن للظن مراتب غير متناهية في الشدة والضعف ، مثلا إذا فرضنا أن في الأخبار المروية أخبار كاذبة فإن كان في كل مائة حديث صادق حديث واحد كاذب واحتجنا إلى واحد منها حصل لنا الظن بصدقة واحتمال الصدق مائة واحتمال الكذب واحد ، ولو فرضنا أن في كل ألف حديث حديثا واحدا كاذبا كان احتمال الصدق في ذلك الواحد أقوى ولا يصل إلى حد العلم إلا إذا علمنا عدم وجود حديث كاذب في جميع الأخبار ، وإلا فلو فرض أن في جميع الأحاديث المدونة حديثا واحدا كاذبا لم يحصل العلم بصحة الواحد الذي احتجنا إليه ولا يسمى ذلك الظن علما عاديا إذ العلم العادي ما يكون الاحتمال المخالف فيه محالا عادة كطيران زيد إلى السماء وصيرورة جبال الدنيا في الليلة الماضية ذهبا ، وليس احتمال كون الواحد الكاذب هو الخبر الذي احتجنا إليه محالا عادة .
وأما صاحب الحدائق فخلط بين الظن القوي والعلم العادي ، فزعم أن العلم العادي يجتمع مع تجويز النقيض وان مراد الإخباريين من العلم بصدور الأخبار جميعا هو الظن القوي الذي يسمى علما عاديا ، واستدل بقول السيد المرتضى أن العلم هو ما يطمئن إليه النفس .
وأقول : قول السيد رحمه الله أن العلم ما اقتضى سكون النفس لا يقتضي أن يكون العلم عنده شاملا للظن القوي ، فإن الشيخ الطوسي رحمه الله عرف العلم بذلك التعريف ثم ذكر تعريفا آخر واعترض عليه بأنه يشمل التقليد ، والتقليد ليس بعلم ، وظاهر منه أن سكون النفس الذي أخذه في تعريف العلم لا يشمل التقليد ، فكيف الظن . والناظر في كلام الذريعة مقدما ومؤخرا تحقق أن مراده بالعلم وما يقتضي سكون النفس هو اليقين الغير المحتمل للخلاف ، ونقلنا منه في حواشي هذا الكتاب أيضا وصاحب الحدائق لم ينعم النظر أو غفل لشدة حبه لتقوية الإخباريين .
وقال الوحيد البهبهاني في فوائده : إنا لا نجوز أن نقول اليهودي يعلم أن محمدا صلى الله عليه وآله ليس بنبي ، والمشرك يعلم أن الله ليس بواحد .
أقول : مع أن سكون نفسهم بمعتقدهم أقوى جدا من ظن الإخباري بصحة جميع الأخبار ، وقال تبارك وتعالى بعد قول الدهريين ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون سمى قطعهم ظنا مع أن سكون نفسهم إلى اعتقادهم الباطل أقوى من الظن الحاصل بالإخبار . وقال بعض المعاصرين : إن العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم ، بل هو من أفراد العمل بالعلم لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع لما قد جرت على ذلك طباعهم واستقرت عليه عادتهم ، فهو خارج عن العمل بالظن موضوعا ، إنتهى . وكان هذا القول السخيف معروفا في عهد الشيخ الطوسي رحمه الله فقال في العدة في الفصل العاشر :
إن الخبر الواحد عند قوم من أهل الظاهر يوجب العلم وربما سموا ذلك علما ظاهرا ، وهذا العلم الظاهر الذي نقله « ره » هو العلم العادي أو الظن الاطميناني الذي يقول به صاحب الحدائق وغيره ، وإذا عرفت أن العلم غير الظن كلما بلغ في القوة فاعلم أن الظن ليس ما يلتفت فيه إلى النقيض فعلا ، بل هو ما لو التفت إلى النقيض لجوزه تجويزا مرجوحا ، لأن كثيرا من الناس يعتقدون رأيا ولا يختلج ببالهم احتمال الخلاف والغلط ، ويرون أن ما رأوه عين الواقع مع أنه الظن لأنهم إذا التفتوا إلى النقيض وانه محتمل حصل لهم تردد واحتمل انهم أخطأوا احتمالا مرجوحا ، وربما حصل هذا الاحتمال بتنبيه الغير .
وأما الأخبار المروية التي هي العمدة في نظر الإخباريين فليست بحيث يكون احتمال النقيض فيها بعيدا كل البعد حتى يكون الظن بصحتها اطمينانا لا يعتنى فيه باحتمال الخلاف ، ونقول أيضا : إن في الأخبار الموجودة في كتبنا ما تدل على عدم تطرق النقصان إلى شهر رمضان أبدا ولا يمكن حملها على التقية لأنها تخالف مذاهبهم ، والأخبار في ذلك كثيرة جدا رواها الشيخ « ره » في الكتابين والكليني في الكافي وابن بابويه « ره » في الفقيه بطرق عديدة ، ومن رواتها محمد بن الحسين بن أبي الخطاب وغيره من الثقات الأجلة ، ومن الأخبار ما يدل على سهو النبي صلى الله عليه وآله بطرق عديدة ، وفي بعضها تكذيب من يدعي عدم السهو عليه صلى الله عليه وآله وعلى الأئمة عليهم السلام ، بل في بعضها لعن من يدعي ذلك .
وقد روي في الإستبصار أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى على غير طهر وكانت الظهر فخرج مناديه أن أمير المؤمنين عليه السلام صلى على غير طهر فأعيدوا وليبلغ الشاهد الغائب وهذا غير لائق بشأن الإمام مع أن بطلان صلاة الإمام لا يوجب بطلان صلاة المأموم ، وفيه أيضا نسيان سيد الساجدين عليه السلام فاتحة الكتاب في الركعة الأولى مع بعده عن غير المعصومين أيضا ، ولا ينسى فاتحة الكتاب أحد ممن اعتاد الصلاة البتة ، وكأنه من إدراج الملاحدة لتنفير الناس من الأئمة الهداة عليهم السلام وايجاد الشك في قلوبهم لأن الساهي لا يعتد بكلامه . ومنها الأخبار الكثيرة في طهارة الخمر مع إجماع المسلمين العام والخاصة على نجاستها إلا شاذا من أهل الظاهر منا ومنهم ، وقد روي عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن حماد ، عن حريز ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قرأ اهدنا الصراط المستقيم صراط من أنعمت عليهم وغير الضالين ، وهذه قراءة عمر بن الخطاب في الشواذ ، فكان بعض الرواة سمعها منهم فنسي بعد مدة ونسبه إلى بعض الشيعة سهوا منقولا عن الإمام عليه السلام .
ولا يجوز الغلو في تصحيح الأخبار بحيث يلزم منه هدم الدين رأسا إذ لولا الدين لم يكن حديث ، فإذا صححنا جميع الأحاديث لزم منه عدم اعتماد على أقوال الأئمة الطاهرين لتطرق السهو والنسيان إليهم ، وعدم الاعتماد على القرآن الكريم أيضا ، فلا يبقى دين ولا كتاب ولا قرآن ، وقد ذكر علماؤنا أن في الأحاديث الموجودة أخبارا مكذوبة ومجعولة ، وصرح بذلك الشيخ المفيد « ره » فيما كتب على إعتقادات الصدوق « ره » وكفى بقوله شاهدا ودليلا .
وبالجملة وجود الأخبار الكاذبة في الموجود بأيدينا ليس احتمالا لا يعتني به العقلاء لأن العقلاء يعتنون بالاحتمالات التي هي أضعف من احتمال وجود الأخبار الكاذبة لأنا نرى لو أن رجلا احتمل كون ابنه الصغير مشرفا على السقوط من شاهق وأخبره جماعة عديدة بأن ابنه في البيت واحتمل كونهم كاذبين احتمالا ضعيفا كل الضعف اعتنى به يقينا وفتش عن ابنه ، وترى الناس لا يستصحبون الجواهر والأحجار الكريمة في المجامع والحمامات مع أن السرقة فيها أضعف احتمالا من وجود الأخبار الكاذبة ، ففي ألف رجل يدخل الحمام أو يسرق متاع واحد ، وفي ألف خبر يوجد أكثر من خمسين خبرا كاذبا ومجعولا أو محرفا بحيث يغير معناه قطعا ، وإن أراد مدعي الظن الاطميناني حفظ الأخبار بجميع ألفاظها ومزاياها وخصوصياتها اللفظية واحتفاظ الرواة على التقديم والتأخير بحيث يكون عبارة الخبر كعبارة القرآن الكريم فالظن الاطميناني عليه ممنوع بل العلم القطعي على خلافه ، والقول بأن حفظ الناس في تلك الأعصر كان بحيث يبقى في ذهنهم جميع الحروف والكلمات ، فهي خراف من القول ، وعلى فرض امكانه كيف يحصل الظن الاطميناني بوقوعه والمعتاد في نقل الأقوال حفظ حاصل المعنى ، وقيل إن الأحاديث قوبلت وميزت منذ عهد الرضا عليه السلام فلم يبق في الأخبار الموجودة مما هو كاذب ما يعتد به ، وفيه أن العلماء كان تمييزهم بالاجتهاد وكانوا فيها مختلفين ، مثلا استثنى القميون نحوا من خمسة وعشرين رجلا من كتاب نوادر الحكمة وضعفوا جميع ما روي في ذلك الكتاب عنهم مع أن هذا الكتاب ألف بعد عهد الرضا ، والأخبار المردودة فيه موجودة في الكتب الموجودة بأيدينا ولم يرو ابن الوليد كتاب بصائر الدرجات للصفار ، ونسب أصلي زيد الزراد وزيد النرسي إلى الوضع ، واختلفوا في كتاب سليم بن قيس وأحاديث تلك الكتب موجودة فيما بأيدينا ، وذكر في أحمد بن هلال العبرتائي وهو متأخر عن الرضا عليه السلام أنه ضعيف لا يعبأ برواياته إلا فيما يرويه عن الحسن بن محبوب في المشيخة وعن محمد بن أبي عمير في نوادره ، وقالوا في سهل بن أحمد الديباجي وهو متأخر عن الرضا عليه السلام أنه كان يضع الأحاديث ، ولا بأس بما روى من الأشعثيات ، ونسب وضع تفسير العسكري عليه السلام إليه العلامة في الخلاصة .
والحاصل أن الوضاعين بعد عهد الرضا عليه السلام كانوا كثيرين جدا ، وكان تمييز الصحيح عن السقيم بالتنبيه على أن هذا صحيح وذاك سقيم لا تمحوا السقيم عن بطون الكتب ، فإن هذا غير ممكن مع انتشار كتب الشيعة وكثرتها ، ولذلك فإن كثيرا من الأخبار المجعولة باقية بعد . وبالجملة الإنصاف أن يعترف بوجود الأخبار الكاذبة بكثرة فيما بأيدينا ووجوب متابعة علمائنا الماضين كالشيخ والمحقق والعلامة وغيرهم في إثبات حجية قسم من الأخبار وإن لم يوجب الظن الاطميناني بالأدلة الخاصة وشرائط كما كان عليه علماؤنا قبل انتشار طريقة الإخباريين . وأما دعوى العلم العادي أو الظن الاطميناني بصحة جميع الأخبار المروية ، وان الظن الاطميناني علم لا يحتاج في التمسك به إلى دليل فهي خراف من القول لا يقبل من مدعيه ، انتهى ما أردنا نقله ملخصا هذا ان أريد الظن الاطميناني بصدور كل واحد واحد من الأخبار تفصيلا ، وأما إن أريد صدور أكثر الأخبار إلا نادرا ، فالحق العلم القطعي إجمالا بصدورها لا الظن الاطميناني فقط ، والكلام في كون ما احتجنا إليه من ذا أو من ذاك ، ففي مسألتنا هذه وهي تنصيف المهر بالموت لا ينبغي أن يغتر بكثرة الأخبار وتعدد طرقها بعد اعراض المشهور ، ولا يتعجب من حمل جميعها على وهم الرواة كما صرح به في حديث منصور بن حازم ، وعلى فرض الشك والتردد في ترجيح الروايتين فالمرجع إلى عموم القرآن الكريم .
وقال المحقق الكركي : ان المذهب مستقر على عدم التنصيف ومع ذلك فقد قال بعض متأخري المتأخرين أو أفتى بالتنصيف كالسبزواري صاحب الكفاية وفقيه عصرنا صاحب الوسيلة والاحتياط إن أمكن متعين . « ش » .