والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ،
فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذين
هداهم الله ، وأولئك هم أولو الألباب ( 1 ) .
. . . وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ( 2 ) .
*
من هذا المنطلق الثابت في الفكر الإسلامي ، ومن البشائر المحددة في الكتاب الكريم
والسنة النبوية بفرج شامل آت في النهاية يملأ عدلا بعد ما ملئت ظلما
وجورا . . . من هذا المنطلق ، ومن هذه البشائر كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليه السلام يرى نور الأمل في المستقبل ، وكان يبشر بأن فرجا آتيا لا ريب فيه :
إن حركة التاريخ تقضي به ، وإن وعد الله يقضي به ، والله لا يخلف الميعاد .
وقد كانت رؤية الإمام لحركة التاريخ في المستقبل لا تقتصر على رؤية النكبات
والكوارث - كما توحي بذلك كثرة النصوص الحاكية عن ذلك في نهج البلاغة - وإنما
تشمل البشائر أيضا ، وقد تقدم في الحديث عن ( المعاناة ) وعن ( الثورة ) بعض النصوص
الدالة على ذلك .
وكانت رؤية الإمام دقيقة ، محددة ، مضيئة ، واضحة المعالم ، في نطاق الخطوط الكبرى
والتيارات الأساسية لحركة التاريخ ، وإن لم تشتمل على التفاصيل ، من ذلك هذا
الشاهد على رؤيته لحركة الثورة العادلة التي لا تنطفئ مهما تكالبت عليها الرياح
الهوج ، فقد قال له بعض أصحابه ، لما أظفره الله بأصحاب الجمل : وددت أن أخي فلانا
كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك فقال له الإمام ( ع ) :
أهوى أخيك معنا ( 3 ) ؟ فقال : نعم . قال : فقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب
الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمان ( 4 ) ويقوى بهم الإيمان ( 5 ) .
هامش
( 1 ) سورة الزمر ( مكية - 39 ) الآية : 17 - 18 .
( 2 ) سورة الأحزاب ( مدنية - 33 ) الآية : 47 .
( 3 ) الهوى : الميل والرغبة ، يعني هنا الموقف السياسي .
( 4 ) يرعف بهم . . يوجدون في المجتمع من غير أن يتوقع وجودهم لاختلافهم النوعي
الأساسي عن الأخلاقية والذهنية السائدة في المجتمع ، فيفاجأ المجتمع بوجودهم .
كما يفاجئ الرعاف صاحبه .
( 5 ) نهج البلاغة - رقم النص : 12 .