السيرة ، ويحيي ميت الكتاب والسنة ( 1 ) .
هذا الأمل المضئ في الظلمات ليس أملا قريبا إذا نظرنا إليه بمنظار آمال الأفراد
- كل واحد بخصوصه - ، فقد يمضي الموت بالأفراد دون أن تكتحل عيونهم بفجر هذا
الأمل . . . إنه بالنسبة إليهم - كأفراد - بعيد . . . بعيد . كذلك هو أمل بعيد بالنسبة
إلى كل مجتمع بمفرده وخصوصه ، فقد تمضي القرون على مجتمع دون أن يحقق في نظامه ،
ومؤسساته هذا الأمل العظيم . . . ولكن هذا الأمل على مستوى النوع البشري كله أمل
قريب ، لأن الأحداث التي تغير مسار الجنس البشري كله لا تقاس بأعمار الأفراد أو
الجماعات أو المجتمعات ولا بالحركة التاريخية في هذا النطاق أو ذاك أو ذياك ،
وإنما تقاس بما تناسب مع حجم النوع الإنساني كله ، ومع حركة التاريخ العالمي
كلها . . . إن ألف سنة ، مثلا ، في عمر فرد زمن كبير طويل . . . كذلك الحال بالنسبة إلى
عمر حركة تاريخية في مجتمع من المجتمعات ، ولكن ألف سنة في عمر البشرية كلها زمن
قصير بالنسبة إلى فترات التحول التاريخية الكبرى التي أدخلت تغييرا أساسيا
على المسار التاريخي للجنس البشري كله ، فنقلته من مستوى معين إلى مستوى أعلى منه
مرتبة ونوعية . إن فترات التحول التاريخية الكبرى - كما نعلم - تستغرق ألوف
السنين ، أو - بالأحرى - عشرات الألوف من السنين . . . إنها حركة التاريخ
الكبرى ( 2 ) .
وفي انتظار أن تنجز حركة التاريخ الكبرى عملها في نقل الإنسانية إلى مستوى أعلى
لم تفلح في بلوغه من قبل . . في انتظار ذلك تستمر حركة التاريخ في دوائرها الصغرى في
العمل على تغيير حال البشر : أفرادا ، وجماعات ، ومجتمعات ، ومجموعات إقليمية .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة - رقم النص : 138 .
( 2 ) لعل ابن أبي الحديد قد طافت بذهنه هذه الفكرة حين قال معلقا على أحد نصوص
نهج البلاغة بهذا الشأن : ثم وعدهم بقرب الفرج ، فقال : إن تكامل صنائع الله
عندكم ، ورؤية ما تأملونه أمر قد قرب وقته ، وكأنكم بعد قد حضر وكان ، وهذا ( على نمط
المواعيد الإلهية بقيام الساعة ، فإن الكتب المنزلة كلها صرحت بقربها ، وإن كانت
بعيدة عنا ، لأن البعيد في معلوم الله قريب ، وقد قال سبحانه ( إنهم يرونه
بعيدا ونراه قريبا ) شرح نهج البلاغة 7 / 95 .