3 - انتصار حركة الردة
لا نعني بالردة هنا الردة الدينية عن الإسلام ، فقد سبق أن رأينا التوجيه
النبوي لعلي حين سأل رسول الله ( ص ) : فبأي المنازل أنزلهم عند ذلك ؟ أبمنزلة
ردة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال ( ص ) بمنزلة ( فتنة ) .
وإنما نعني الردة السياسية والفكرية . فإن الفتنة حين انتصرت سياسيا بعد
استشهاد أمير المؤمنين علي راحت تمكن لنفسها بفرض قيمها الفكرية والاجتماعية في
الثقافة العامة ، وتطبع العلاقات في داخل المجتمع بطابعها .
*
لقد كان الإمام يرى ببصيرته النافذة أن الفتنة ستنتصر ، وكانت هذه الرؤية إحدى
مسببات ألمه العميق .
وكان يرى أن الفتنة لا تقاوم إلا بالكفاح ، أما السكوت عنها ومهادنتها فيتيحان
الفرصة أمامها لكي تنتصر .
وكان يؤرقه أن مجتمعه ، لأسباب شتى ، آثر أن يواجه الفتنة بالسكوت عنها ، أو -
بعبارة أخرى - آثر ألا يواجه الفتنة الآتية .
وكان يقارن بين أصحابه وبين أصحاب رسول الله ( ص ) ، فيريهم أن التوجيه الثقافي
واحد ، وأن القيادة واحدة ، ولكنه يرى أن درجة الإخلاص متفاوتة :
. . . والله ما أسمعكم الرسول شيئا إلا وها أنا ذا مسمعكموه ، وما
أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ، ولا شقت لهم الأبصار ، ولا جعلت
لهم الأفئدة في ذلك الزمان ، إلا وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان .
ووالله ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 179
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٧٩