لقد حدثت داخل الإسلام فتن كثيرة ، ولكن أعظم هذه الفتن خطورة وأشدها تخريبا فتنة
بني أمية التي عصفت رياحها السوداء الشريرة المجتمع الإسلامي منذ النصف
الثاني من عهد عثمان ، وتعاظمت خطورتها بعد مقتله . واستغرقت مواجهتها الفكرية
والسياسية والعسكرية معظم جهود أمير المؤمنين علي في السنين الأخيرة من حياته .
وقد كان الإمام يغتنم كل فرصة سانحة ليحدث مجتمعه عن هذه الفتنة ، ويبين له
أخطارها الآنية والمستقبلية من أجل إيجاد المناعة النفسية منها ، والوعي العقلي
لأخطارها ، والعزم العملي على مواجهتها وقمعها ، والتصميم على رفضها حتى بعد
انتصارها .
قال عليه السلام ،
إن الفتن إذا أقبلت شبهت 1 ، وإذا أدبرت نبهت ، ينكرن مقبلات ، ويعرفن
مدبرات ، يحمن حوم الرياح ، يصبن بلدا ، ويخطئن بلدا . ألا وإن أخوف
الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية ، فإنها فتنة عمياء مظلمة ، عمت
خطتها 2 وخصت بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عمي
عنها 3 .
فهي فتنة عمت بليتها لأن روادها الحكام أنفسهم ، ومن ثم فشرورها السياسية
والفكرية تشمل المجتمع كله .
وهي فتنة خصت بليتها لأن أعنف ضرباتها ستوجه إلى الصفوة المؤمنة الواعية التي
بقيت سليمة من داء الفتنة ، ووضعت نفسها في مواقع كفاح الفتنة الغالبة .
والمسؤولية في هذه الفتنة ملقاة على المبصرين فيها ، الذين يعرفونها ويعرفون وجه
الحق ويجبنون عن مواجهتها ، أو يتواطؤون ، ضد الحق ، معها .
أما من عمي عنها ، وجهل أبعادها وأخطارها فهو معذور بجهله .
هامش
( 1 ) شبهت : اشتبه فيها الحق بالباطل ، وإذا أدبرت وخلص الناس منها تميز حقها من
باطلها .
( 2 ) عمت خطتها : يعني أنها فتنة غالبة تصيب ببلائها أهل الحق .
( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم : 93 .