الناس ، بل يغدون موضعا للنقد والتجريح ، وتجف الروافد الرجعية التي تمدها
بالحياة والحركة ، ويتعافى المجتمع من نكسته ، ويخرج من التجربة أكثر وعيا ويقظة .
وقد مرت على المسلمين في عهد رسول الله ( ص ) بعض الفتن العارضة التي تجاوزوها ،
بتوجيه رسول الله ( ص ) ، بنجاح ، وخرجوا منها دون أن تؤثر على حركة المجتمع الإسلامي
المندفعة إلى الأمام .
ولعل أشد هذه الفتن العارضة التي واجهت المجتمع الإسلامي في عهد النبي ( ص )
خطورة كانت فتنة الإفك ، في سنة ست للهجرة ، في أعقاب غزو رسول الله ( ص ) والمسلمين
لبني المصطلق من خزاعة .
وقبل الإفك ما حدث أثناء العودة من الغزوة المذكورة ، حين أدى تزاحم على الماء في
بعض منازل الطريق بين أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار اسمه ( جهجاه ) ، وبين أحد
حلفاء الخزرج واسمه ( سنان بن وبر الجهني ) ، واقتتلا ، فصرخ حليف الخزرج : يا معشر
الأنصار وصرخ أجير عمر بن الخطاب يا معشر المهاجرين . ونشط المنافقون ، وعلى رأسهم
( عبد الله بن أبي سلول ) ، لاستغلال التوتر الذي ولده هذا النزاع البسيط بين
المهاجرين والأنصار ، وهدد ابن أبي سلول بأنهم إذا عادوا إلى المدينة ( ليخرجن
الأعز منها الأذل ) ، وكادت الفتنة أن تجرف كثيرين . . .
ولكن حكمة رسول الله ( ص ) قضت على الفتنة في مهدها .
وأنزل الله في شأن هذه الفتنة الصغيرة العارضة سورة المنافقين ( رقم 63 في المصحف )
فضح فيها نوايا المنافقين وأساليبهم ، وجعل منها درسا تربويا إيمانيا وسياسيا
للمسلمين عمق وعيهم ، وزاد يقظتهم ، وعزز صلابتهم أمام أساليب النفاق .
أما فتنة الإفك فكانت أشد خطورة وأوسع انتشارا .
لقد كانت مرتعا خصبا للمنافقين يوهنون من خلالها مقام رسول الله ( ص ) ، ويشوهون
سمعته ، ويلقون ظلالا من الريبة على طهارة بيته ، في مجتمع يقوم على قيم صارمة فيما
يتعلق بالطهارة الجنسية ، بما يؤدي إليه الهمس الخفي في شأن كهذا في مجتمع كهذا
من سخريات وظنون والإشاعات تضعف التأثير النفسي لتوجيهات رسول الله ( ص ) .
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 158
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٥٨