. . . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالدين المشهور ،
والعلم المأثور ، والكتاب المسطور . . . والناس في فتن انجذم 1 فيها حبل
الدين ، وتزعزعت سواري اليقين 2 واختلف النجر 3 وتشتت الأمر ، وضاق
المخرج ، وعمي المصدر ، فالهدى خامل ، والعمى شامل . عصي الرحمان ، ونصر
الشيطان ، وخذل الإيمان فانهارت دعائمه وتنكرت معالمه ، ودرست
سبله 4 وعفت شركه 5 ، أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا
مناهله 6 ، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ، في فتن داستهم بأخفافها
ووطئتهم بأظلافها 7 وقامت على سنابكها 8 ، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون
مفتونون ، في خير دار وشر جيران . نومهم سهود ، وكحلهم دموع ،
بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرم 9 .
في هذا النص فصل الإمام علي نظرته إلى نموذج من نماذج الفتنة باعتبارها ظاهرة
سياسية لمجتمع ما .
والسمات التي تميز الفتنة الشاملة فيما يفيده هذا النص هي :
1 - مجتمع لا يحكمه نظام أخلاقي ، وخال من الحياة الروحية السليمة . وهذا لا ينفي
أن يتمتع المجتمع المذكور بنظام سياسي .
وهذه السمة يدل عليها قول الإمام انجذم فيها حبل الدين فالمجتمع منقطع الصلة
بالوحي ، ومن ثم فهو لا يتمتع بنظام روحي وأخلاقي .
2 - مجتمع تسيطر على أفراده وفئاته روح الشك . ويتبع فيه - في مجال القيم - المقياس
الذاتي ، لأنه لا يتمتع بمقياس موضوعي نتيجة لخلوه من النظام الأخلاقي والحياة
الروحية .
هامش
( 1 ) انجذم : انقطع .
( 2 ) السواري : جمع سارية ، وهي الدعامة .
( 3 ) النجر : الأصل .
( 4 ) درست : انطمست .
( 5 ) عفت شركه : عفت : انمحت ، وشركه جمع شراك : الطريق .
( 6 ) المناهل : جمع منهل ، هو مورد النهر .
( 7 ) الخف للبعير : والظلف للبقر والشاء : كالقدم للإنسان .
( 8 ) السنابك جمع سنبك : طرف الحافر .
( 9 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 2 .