كان النهج الذي سار عليه الإمام في حكمه نهج الإسلام الذي يستجيب لحاجات عامة
الناس في الكرامة ، والرخاء ، والحرية .
وكان هذا النهج يتعارض ، بطبيعة الحال ، مع مصلحة طبقة الأعيان وزعماء القبائل
الذين اعتادوا على الاستماع بجملة من الامتيازات في العهد السابق على خلافة أمير
المؤمنين علي ( ع ) .
وقد كان لهذه الطبقة ذات الامتيازات أعظم الأثر في الحيلولة بشتى الأساليب دون
تسلم الإمام للسلطة في الفرص التي مرت بعد وفاة رسول الله ( ص ) ، وبعد وفاة أبي
بكر ، وبعد وفاة عمر ، ولكنه بعد وفاة عثمان تسلم السلطة على كراهية منه لها ، وعلى
كراهية من النخبة له ، فقد قبلت به مرغمة لأن الضغط الذي مارسته الأكثرية الساحقة
من المسلمين في شتى حواضر الإسلام شل قدرة النخبة المالية وطبقة الأعيان على
التأثير في سير الأحداث ، فتكيفت مع الوضع الجديد الذي وضع الإمام عليا - بعد
انتظار طويل - على رأس السلطة الفعلية في دولة الخلافة .
وقد كشفت الأحداث التي ولدت فيما بعد عن أن هذا التكيف كان مرحليا ، رجاء أن
تحتال في المستقبل ، بطريقة ما - لتأمين مصالحها وامتيازاتها .
وحين يئست طبقة الأعيان هذه من إمكان التأثير على الإمام وتبددت أحلامهم في تغيير
نهجه في الإدارة وسياسة المال وتصنيف الجماعات تغييرا ينسجم مع مصالحهم فيحفظ لها
مراكزها القديمة ، ويبوئها مراكز جديدة ويمدها بالمزيد من القوة والسلطات على
القبائل والموالي من سكان المدن والأرياف . . . حين يئست هذه الطبقة من كل هذا
وانقطع أملها . . طمع كثير من أفراد هذه الطبقة بتطلعاته إلى الشام ومعاوية بن أبي
سفيان ، فقد رأوا في نهجه وأسلوبه في التعامل مع أمثالهم ما يتفق مع فهمهم
ومصالحهم . . . وتخاذل بعض أفرادها عن القيام بواجباتهم العسكرية في مواجهة النشاط
العسكري المتزايد الذي قام به الخارجون عن الشرعية في الشام ، هذا النشاط الذي
اتخذ في النهاية طابع الغارات السريعة وحروب العصابات .
وكان تخاذلا لا يمكن تبريره بجبنهم فشجاعتهم ليست موضع شك على الإطلاق .
ولا يمكن تبريره بقلتهم ، فقد كانت الأمة قادرة على أن تزود حكومتها الشرعية
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 122
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١٢٢