حتى شنت 1 عليكم الغارات ، وملكت عليكم الأوطان . . .
فيا عجبا ! عجبا والله يميت القلب ، ويجلب الهم ، من اجتماع هؤلاء القوم على
باطلهم ، وتفرقكم عن حقكم ! فقبحا لكم وترحا 2 حين صرتم غرضا يرمى :
يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون .
فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم : هذه حمارة القيظ أمهلنا
يسبخ عنا الحر 3 ، وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم : هذه صبارة
القر 4 . . . كل هذا فرارا من الحر والقر ، فإذا كنتم من الحر
والقر تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر .
يا أشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الأطفال ، وعقول ربات الحجال 5 لوددت
أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة - والله - جرت ندما وأعقبت سدما 6 .
قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرعتموني نغب
التهمام أنفاسا 7 وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت
قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب ، لله أبوهم وهل أحد
منهم أشد لها مراسا وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين
وهأنذا قد ذرفت 8 على الستين ! ولكن لا رأي لمن لا يطاع 9 .
*
بهذه المرارة ، وبهذا الغضب ، وبهذه السخرية ، وبهذا الاحتقار كان الإمام يواجه هذه
النخبة التي تخاذلت عن القيام بواجبها ، أو خانت قضية شعبها .
ويبدو أن هذه الطبقة - أو فريقا منها - كانت تحاول ، سترا لمواقفها التي عمل
هامش
( 1 ) شنت الغارات : فرقت ، أي نشبت الحروب الصغيرة في أماكن متعددة ( حرب
العصابات ) .
( 2 ) دعاء عليهم بالخزي والسوء : القبح ، والترح .
( 3 ) حمارة القيظ : شدة حره . ويسبخ عنا الحر : بمعنى يخف ، ويلطف الهواء .
( 4 ) صبارة الشتاء : بتشديد الراء - شدة برد الشتاء . وهذه هي الأعذار التي كانوا
يبررون بها تخاذلهم ويلوذون بها دون كشف موقفهم السياسي الذي بيناه .
( 5 ) الحجال : جمع حجلة ، وهي بيت يزين بالستور ، والثياب ، والأسرة .
( 6 ) السدم : الحزن والغيظ .
( 7 ) النغب : جمع نغبة : وهي الجرعة ، والتهمام : الهمم ، أنفاسا : جرعة بعد جرعة .
( 8 ) ذرفت : زدت على الستين .
( 9 ) نهج البلاغة - الخطبة رقم : 27 .