ونلاحظ هنا أن الإمام وضع للإنكار بالسيف - وهو أقصى مراتب الإنكار باليد -
شرطا ، هو أن تكون الغاية منه إعلاء كلمة الله لا العصبية العائلية أو العنصرية ،
ولا المصلحة الخاصة ، والعاطفة الشخصية . وهذا شرط في جميع أفعال الإنسان ، وفي جميع
مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا أن الإمام عليه السلام صرح به في
هذه المرتبة لخطورة الآثار المترتبة على القيام بها من حيث أنها قد تؤدي إلى
الجرح والقتل .
*
ويقدر الإمام أن كثيرا من الناس يتخاذلون عن ممارسة هذا الواجب الكبير فلا
يأمرون بالمعروف تاركه ولا ينهون عن المنكر فاعله بسبب ما يتوهمون من أداء ذلك إلى
الإضرار بهم : أن يعرضوا حياتهم للخطر ، أو يعرضوا علاقاتهم الاجتماعية للاهتزاز
والقلق ، أو يعرضوا مصادر عيشهم للانقطاع . . . وما إلى ذلك من شؤون .
وقد لحظ الشارع هذه المخاوف ، فجعل من شروط وجوب الأمر والنهي عن المنكر عدم ترتب
ضرر معتد به على الآمر والناهي .
ولكن كثيرا من الناس لا يريدون أن يمسهم أي أذى أو كدر . وهذا موقف ذاتي وأناني
شديد الغلو لا يمكن القبول به من إنسان يفترض فيه أنه ملتزم بقضايا مجتمعه كما هو
شأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر . فهو إنسان يستبد به القلق لأي انحراف
يراه ، ويدفعه قلقه وأخلاقه إلى أن يتصدى للانحراف بالشكل المناسب ، وهو الذي قال
فيه الامام في النص السابق المستكمل لخصال الخير .
لقد نبه الإمام - في موضعين من نهج البلاغة على أن التخاذل عن الأمر والنهي خشية
التعرض للأذى ناشئ عن أوهام ينبغي أن يتجاوزها المؤمن الملتزم بقضية مجتمعه ، فلا
يجعلها هاجسه الذي يشله فيحول بينه وبين الحركة المباركة المثمرة ، فقال الإمام
فيما خاطب به أهل البصرة في إحدى خطبه ، وقد كانوا بحاجة إلى هذا التوجيه ، لما
شهدته مدينتهم ، وتورط فيه كثير منهم من فتنة الجمل :
وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله سبحانه ،
وإنهما لا يقربان من
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام — صفحة 119
مساهمون: الشيخ محمد مهدي شمس الدين
ص١١٩