في الغالب لأنها لم تلتزم بقضية شعبها ووطنها وإنما تخلت عن هذه القضية سعيا
وراء آمال شخصية وغير أخلاقية . . .
أكثر من هذا : لقد اتهم الإمام هذه النخبة مرارا بأنها خائنة . ومن مظاهر عدم
التزامها بقضية شعبها أو خيانته هو تخليها الذي لا مبرر له عن ممارسة واجبها في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وإذ يئس الإمام من التأثير الفعال في هذه النخبة فقد توجه بشكواه رأسا إلى
عامة الشعب محاولا أن يحركه في اتجاه الالتزام العملي بقضيته العادلة ، موجها
وعيه نحو الأخطار المستقبلية ، محذرا له من تطلعات نخبته .
نجد هذا التوجه نحو عامة الشعب مباشرة ظاهرا في الخطبة القاصعة التي تضمنت
ألوانا من التحذير ، النابض بالغضب ، من السقوط في حبائل النخبة .
وكانت قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - فيما يبدو - والتراخي أو اللامبالاة
التي تظهرها النخبة نحو هذه القضية - إحدى أشد القضايا إلحاحا على ذهن الإمام
وأكثرها خطورة في وعيه .
وكان أسلوب التنظير بالتاريخ إحدى الوسائل التي استعملها الإمام في تحذيره لشعبه
وفي تعليمه الفكري لهذه الفريضة .
لقد كانت شكواه وتحذيراته المترعة بالمرارة والألم نتيجة لمعاناته اليومية القاسية
من مجتمعه بوجه عام ومن نخبة هذا المجتمع بوجه خاص .
ولا بد أن هؤلاء وأولئك قد سمعوا من الإمام مرارا كثيرة مثل الشكوى التالية
التي قالها في أثناء كلام له عن صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل :
إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهالا ويموتون ضلالا . ليس فيهم سلعة
أبور 1 من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ، ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من
الكتاب إذا حرف عن مواضعه ، ولا عندهم أنكر من المعروف ولا أعرف من
المنكر 2 .
هامش
( 1 ) أبور - على وزن أفعل - من البور ، الفاسد ، بار الشئ أي فسد ، وبارت السلعة أي
كسدت ولم تنفق ، وهذا هو المراد هنا : أن العمل الحق بالقرآن كاسد لا يقبله الناس
ولا يتعاملون معه .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 17 .