بجيوش جرارة وجنود أقوياء مدربين جعلت منهم طبيعتهم ، وثقافتهم ، وحروب الفتح التي
خاضوها مدة سنوات طويلة من خيرة المقاتلين في العالم .
ولا يمكن تبريره بنقص في التسليح وعدة الحرب وعتادها ، فقد كانت معامل السلاح نشطة
لتأمين احتياطي ضخم من السلاح لمجتمع كان لا يزال محاربا .
ولا يمكن تبريره بسوء الحالة الاقتصادية ، فقد كان المال العام وفيرا بعد أن أصلحت
الإدارة المالية في خلافة الإمام .
لم يكن إذن ثمة سبب للتخاذل سوى الموقف السياسي غير المعلن الذي صممت النخبة من
الأعيان وزعماء القبائل على التمسك به والتصرف في القضايا العامة وفقا له ، إلى
النهاية ، وذلك بهدف تفريغ حكومة الإمام علي من قوة السلطة ، وجعلها عاجزة عن
الحركة بسبب عدم توفر الوسائل الضرورية لها ، وهذا ما يؤدي في النهاية إلى
انتصار التمرد على الشرعية .
كان هذا الموقف السياسي غير المعلن هو سبب التخاذل .
وقد كان هذا الموقف غير معلن ، بل كان قادة هذه النخبة يوحون بإخلاصهم وتفانيهم ،
لأن هذه النخبة كانت تخاف ، إذا أعلنت موقفها وكشفت عن نواياها وأهدافها البعيدة
وأمانيها المخزية ، من جمهور الأمة أن يكتشف لعبتها ضد آماله ومصالحه ، فيدينها
ويعاقبها .
وقد حفظ لنا الشريف في نهج البلاغة نصوصا كثيرة يلوم فيها الإمام نخبة مجتمعه
لوما قاسيا مرا على تراخيهم وتخاذلهم عن القيام بالتزاماتهم العسكرية في
الدفاع عن الشرعية ، ولا شك أن الإمام في آخر عهده كان مضطرا للإكثار من هذا
اللوم والتقريع ، كقوله في إحدى خطبه :
ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وإعلانا ،
وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم 1
إلا ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم 2 ،
هامش
( 1 ) عقر دارهم : أصل دراهم ، والعقر : الأصل ، ومنه : العقار للنخل ، كأنه أصل المال .
( 2 ) تواكلتم : من وكلت الأمر إليك ووكلته إلي ، أي لم يتوله أحد منا ، ولكن أحال به
كل واحد على الآخر .