سنن الجبارين ؟ أين الذين ساروا بالجيوش ، وهزموا بالألوف ، وعسكروا
العساكر ، ومدنوا المدائن ؟ 1 .
*
لقد كان الوضع الداخلي لمجتمع الإمام أثناء حكمه العاصف يقتضيه أن يستعين بالتاريخ
ليواجه ما كان يتردى فيه هذا المجتمع - في العراق بوجه خاص - من انقسامات قبلية ،
ومواقف عنصرية ، وتسلط لرؤساء المجموعات القبلية على قبائلهم ، وافتتان كثير من
النابهين في المجتمع والقياديين في المجموعات القبلية بالسخاء الذي كانوا يتسامعون
به عن معاوية بالنسبة إلى أنصاره السياسيين . . . وكان يرى ببصيرته النافذة أن هذه
الطريق تؤدي بالمجتمع إلى الكارثة : ستنهكه النزاعات الداخلية ، وتخلخل بنيانه
وتذهب بتماسكه ، وتدفع بقياداته إلى خيانة مجتمعها والارتماء في أحضان الحكم الأموي
الاستبدادي في سوريا ، وتفقد العراق دوره القيادي في دولة الخلافة ، فتجعله تابعا
صغيرا للشام .
وكان الإمام علي يواجه هذا الخطر بشتى الأساليب ، وعلى مختلف المستويات .
ومن الأساليب التي استعملها على المستوى الشعبي أسلوب التنظير بالتاريخ لحال
مجتمعه ، عاملا على أن يكون لدى الناس العاديين وعيا تاريخيا ، ورؤية للحاضر
واقعية تدرك ما فيه من خطورة وإحساسا بمخاطر الممارسات التي تسود المجتمع . . . كل
ذلك لأجل أن يبعث في نفوسهم وعقولهم الحذر والتبصر حين تعرض عليهم خيارات سببت
للأمم الماضية نكبات أضعفتها أو حطمتها .
ومن الأمور الهامة التي يجب التنبيه عليها أن الإمام في تصويره لانحطاط الأمم
ومصارع القرون لا يرد ذلك إلى أسباب غيبية ، وإنما يعرض أسبابا موضوعية لهذا
الانحطاط كما سنرى .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : رقم الخطبة 182 .