قد أفلحت إلى حد بعيد في تمزيق وحدة المجتمع ، وإشاعة روح الشك والضغينة بين فئاته
السياسية ، وداخل كل فئة أيضا . يصور لنا ذلك نص في إحدى خطب الإمام يحذر
ويؤنب فيه مجتمعه ، قال :
قد اصطلحتم على الغل فيما بينكم 1 ونبت المرعى على دفنكم 2 . وتصافيتم على
حب الآمال . وتعاديتم في كسب الأموال . لقد استهام بكم الخبث 3 ، وتاه
بكم الغرور 4 ، والله المستعان على نفسي وأنفسكم 5 .
وقد روى ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ما يصور التخريب والتمزيق اللذين
كانت تحدثهما هذه الروح القبلية ، قال :
وقيل أن أصل هذه العصبية وهذه الخطبة أن أهل الكوفة كانوا قد فسدوا في آخر خلافة
أمير المؤمنين ، وكانوا قبائل في الكوفة ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر
بمنازل قبيلة أخرى ، فينادي باسم قبيلته : يا للنخع ! مثلا ، أو يا لكندة نداء عاليا
يقصد به الفتنة وإثارة الشر ، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي مر عليها ،
فينادون : يا لتميم ! ويا لربيعة ! ويقبلون إلى ذلك الصائح فيضربونه ، فيمضي إلى قبيلته
فيستصرخها ، فتسل السيوف وتثور الفتن ، ولا يكون لها أصل في الحقيقة إلا تعرض
الفتيان بعضهم ببعض 6 .
وما لا يرى ابن أبي الحديد له أصلا نرى له أصلا في دسائس معاوية أو عملائه الذين
نقدر أنهم يشجعون أمثال هذه الممارسات القبلية ، ويمدونها بمزيد من أسباب
هامش
( 1 ) الغل : الحقد ، اتفقتم على تمكين الحقد في نفوسكم .
( 2 ) الدفن : جمع دفنة ، ما يتجمد ويتلبد من الضابط وردت الماشية ، ينبت عليه العشب
ونبتت المرعى عليه : استر بظواهر النفاق الاجتماعي فيبدو ظاهره سليما أخضر وواقعه
بشع منفر . شهروا أحقادهم التي يسترونها بالنفاق فيما بينهم بهذه القذارة التي
يسترها العشب فتبدو جملة تخدع بظاهرها وهي في الواقع قذرة نجسة .
( 3 ) استهام بكم : تعلق بكم الشيطان فأغواكم .
( 4 ) الغرور : ما يسبب الإنخداع .
( 5 ) نهج البلاغة - رقم الخطبة - 133 .
( 6 ) ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ج 13 ص 167 - 168 .