4 - مصارع القرون عوامل انحطاط الأمم
مصارع القرون تعبير استعمله الإمام في إحدى خطبه فقال واعتبروا بما قد
رأيتم من مصارع القرون قبلكم 1 . ويريد به الأمم الماضية أو الأجيال
الماضية ، فالقرن في اللغة جماعة الناس في عصر واحد 2 . فالإمام في هذا التعبير يوجه
الأفكار نحو التأمل في مصائر الأمم والشعوب ، وكيف ولماذا تضعف وتتفسخ ويصيبها
الانحطاط والتخلف ؟ .
ويتساءل الإمام في خطبة أخرى - ربما تكون آخر خطبة ، أو في أواخر كلامه في حشد عام 3
- عن مصير الدول والشعوب القديمة ، فيقول مخاطبا أصحابه :
. . . وإن لكم في القرون السالفة لعبرة ، أين العمالقة وأبناء
العمالقة ؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة ؟ أين أصحاب مدائن الرس
الذين قتلوا النبيين ، وأطفأوا سنن المرسلين 4 ، وأحيوا
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : رقم الخطبة 161 .
( 2 ) وردت هذه الكلمة كثيرا في الكتاب الكريم في سور مكية ومدنية ، والمراد بها ،
على الظاهر ، هذا المعنى . وورد له في كلام بعض أهل اللغة تفسير زماني ، فقيل : القرن
مدة أغلب أعمار الناس ، وهو سبعون سنة ، وقيل : ثمانون ، وقيل : ثلاثون سنة . وقيل : القرن
أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم ، قل زمانه أو كثر - وهذا التفسير الأخير يلحظ
معنى حضاريا للكلمة .
( 3 ) قال الشريف في نهج البلاغة : روي عن نوف البكالي ، قال : خطبنا بهذه الخطبة
أمير المؤمنين علي ( ع ) بالكوفة ، وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة
المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه من ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأن
جبينه ثفنة بعير ، فقال عليه السلام . . . قال : وعقد للحسين عليه السلام في عشرة
آلاف ، ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف ، ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف ،
ولغيرهم على أعداد أخر ، وهو يريد الرجعة إلى صفين ، فما دارت الجمعة حتى ضربه
الملعون ابن ملجم لعنه الله فتراجعت العساكر ، فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها
الذئاب من كل مكان .
( 4 ) ورد ذكر هؤلاء في الكتاب الكريم مرتين : في سورة الفرقان ( مكية - 25 ) الآية 38
وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا
بين ذلك كثيرا وفي سورة ق ( مكية - 50 ) الآية 12 كذبت قبلهم قوم نوح
وأصحاب الرس وثمود . والرس في اللغة : البئر المطوية بالحجارة ، والرس اسم
بئر كانت لبقية من ثمود - أو لقوم بعد ثمود - أرسل الله إليهم رسولا فكذبوه
فأهلكهم الله . وقيل أن الرس اسم نهر كان هؤلاء على شاطئه .