وإن كانت ممّا يفتقر إلى النظر والاجتهاد فالواجب على المجتهد استفراغ الوُسع فيها ولا إثم عليه حينئذ قطعاً بغير خلاف يعبأ به * . نعم اختلف الناس في التصويب .
شرح
النبيّ أو باعتبار كونه سبباً مستقلاًّ للكفر ، فلا ينبغي التكلّم عن حكمه من هذه الجهة .
* وظاهر بعض كلماتهم أنّ المعذوريّة وعدم الاثم في المخطئ هنا اتّفاق من المخطئة وإن كان على الحكم المعيّن دليل قاطع في بعض الأحيان إذا لم يصادفه ، أو لم يكن قاطعاً عنده ولو لشبهة سبقت إليه ، إلاّ من بشر المريسي ( 1 ) الذاهب إلى أنّه يستحقّ الإثم لزعمه قيام دليل قاطع على الحكم المعيّن المجعول للواقعة كما ستعرفه ، ولكنّه لشذوذه لا يعبأ بقوله كما أشار إليه المصنّف .
ولكنّ العلاّمة في النهاية نسب القول بعدم الإثم إلى الأكثر ، والقول الآخر إلى بعض الإماميّة والظاهريّة وبشر المريسيّ وابن عليّة وأبي بكر الأصمّ .
ثمّ نقل احتجاج هذا القول بإنكار الصحابة بعضهم بعضاً في العمل بالرأي والاجتهاد في المسائل الفقهيّة ، وبأنّ الحكم واحد معيّن وعليه دليل يتمكّن كلّ مكلّف من الوصول إليه لئلاّ يلزم تكليف ما لا يطاق ، وكلّ مكلّف بالحكم مكلّف بإقامة الدليل المنصوب عليه فخطاء المخطئ إمّا أن يكون لتقصيره في الاجتهاد فيكون مأثوماً بترك ما كلّف به ، أو لعدم تمكّنه من الوصول إلى الحكم وهو محال لاستلزامه التكليف بما لا يطاق .
وفي الوجهين ما لا يخفى ، إذ الإنكار لا يستلزم التأثيم ، والمسلّم من التكليف في الحكم المنصوب عليه الدليل بعد تصحيحه إنّما هو التكليف بسلوك ذلك الطريق المنصوب وهو لا يستلزم دوام التوصّل ، كما أنّ عدم التوصّل لا يلازم التقصير لجواز خفاء الدلالة والاشتغال بالتعارض ونحو ذلك ، فينكشف عند تبيّن الخطأ مع عدم التقصير عدم التكليف بأصل الحكم المعيّن ليلزم التكليف بما لا يطاق .
هامش
( 1 ) المَريسيّ - بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثنّاة من تحتها وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى مريس وهي قرية بمصر .
وبشر المريسيّ هو : أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسيّ ، الفقيه الحنفي ، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي ، إلاّ أنّه اشتغل بالكلام وكان مرجئاً وإليه تنسب الطائفة المريسيّة من المرجئة ، وتوفّي في ذي الحجّة لسنة ثماني عشرة وقيل : تسع عشرة ومائتين ببغداد . راجع [ وفيات الأعيان 1 : 277 ]