شرح
فمنهم من قال : بأنّ ذلك الحكم المعيّن ليس عليه أمارة ولا دلالة كما عن جماعة من الفقهاء والمتكلّمين ، قالوا : وهذا الحكم مثل دفين يعثر عليه الطالب اتّفاقاً ، فلمن عثر عليه أجران ولمن اجتهد ولم يصبه أجر واحد على ما تحمّله من الكدّ والمشقّة في الطلب .
ومنهم من قال : إنّ عليه أمارة كما عن جماعة ، ولكنّهم اختلفوا فقال بعضهم : إنّ المجتهد لم يكلّف بإصابة ذلك الدليل الظنّي لخفائه وغموضه ، ولهذا عذّر المخطئ واُجر عليه ، عزى إلى الفقهاء كافّة والشافعي وأبي حنيفة .
وقال آخرون : بأنّه مأمور بطلبه أوّلاً فإن أخطأ وغلب على ظنّه شيء آخر انقلب التكليف وصار مأموراً بالعمل بمقتضى ظنّه وسقط عنه الإثم تخفيفاً .
ومنهم من قال : بأنّ عليه دلالة أعني دليلا قطعيّاً ، فهؤلاء اتّفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه لكنّهم اختلفوا في موضعين :
أحدهما : أنّ المخطئ هل يستحقّ الإثم أو لا ؟ فذهب بشر المريسي ( 1 ) إلى أنّه يستحقّ الإثم ونفاه الباقون .
وثانيهما : هل ينقض قضاء القاضي فيه أو لا ؟ قال أبو بكر الأصمّ : ينتقض ، وخالف فيه الباقون .
وأمّا المصوّبة فهم أيضاً اختلفوا فمنهم من قال بالأشبه وهو : أنّه وإن لم يوجد في الواقعة حكم إلاّ أنّه يوجد فيها ما لو حكم الله تعالى بحكم لما حكم إلاّ به ، وهو منسوب إلى كثير من المصوّبين .
ومنهم من لم يقل بذلك أيضاً كما عن باقي المصوّبين هكذا نقل المذاهب في النهاية والمنية ، وربّما خفي المراد بالأشبه بالمعنى المذكور في كلام قائليه ، والظاهر أنّ المراد به الأشبه بالقواعد والاُصول المتلقّاة من الشارع ، كما يرشد إليه تعبير العضدي : « بما هو أليق بالاُصول وأنسب بما عهد من الشارع اعتباره » .
وبما شرحناه من معنى القول بالأشبه انقدح أنّ ما ذكره بعض الفضلاء بعد حكاية هذا القول من : « أنّ هذا قريب من القول بالتخطئة بل ربّما كان راجعاً إليه » ليس على ما ينبغي كما يظهر بأدنى تأمّل .
كما أنّ بما بيّنّاه - من أنّ المصوّبة بعد اتّفاقهم على نفي وجود الحكم في كلّ واقعة اختلفوا في القول بالأشبه وعدم القول به - يظهر أنّ النفي في قولهم : « بأنّه ليس لله تعالى في الواقعة قبل اجتهاد المجتهد حكم معيّن » راجع إلى أصل الحكم الّذي لو كان موجوداً
هامش
( 1 ) المريسي من المريسه - كسكينة - قرية ( منه ) .