باعتبار كشفه عن قول المعصوم ، وحكم العقل إن كان على سبيل التنجيز كحرمة الظلم ونحوها فهو موجود في الكتاب لا محالة بل في السنّة أيضاً ، وإن كان على سبيل التعليق كأصل البراءة ونحوه فكذلك أيضاً ، فإنّ مدركه من عمومات أصل البراءة مذكور في الكتاب والسنّة ، إن لم نقل بأنّه لا معنى لجعل مخالفته ميزاناً لكذب الخبر .
ويمكن أن يكون الكتاب والسنّة المجعولين فيها ميزاناً لصدق الخبر وكذبه كنايتين عن مطلق الدليل القطعي ، فلا يرد عليها أنّها لا تدلّ على اعتبار مطلق القرينة المفيدة للقطع بصدق الخبر ، وإلاّ كان عليهم ( عليهم السلام ) ذكر الإجماع ودليل العقل أيضاً في عداد القرائن .
وكيف كان فقد يجاب عن الأخبار المذكورة : بأنّها لا تقاوم لمعارضة الأخبار الدالّة على حجّيّة خبر الواحد ، لكونها أقوى منها باعتبار أنّها أكثر عدداً وأرجح عملا واعتضاداً ، فلابدّ من إطراحها أو ارتكاب خلاف الظاهر فيها .
وقد يجاب أيضاً : بتنزيلها على الآحاد الواردة في العقائد الفاسدة ، مثل الجبر والغلوّ والتفويض والتجسيم وغيره ممّا افترى فيها على الأئمّة ( عليهم السلام ) ، فلا يمكن الأخذ بها لمخالفتها الكتاب والسنّة ، بل مطلق الدليل القطعي القائم على بطلان هذه العقائد .
والتحقيق في الجواب أن يقال : إمّا أن يراد من الاستدلال بتلك الأخبار بيان مانعيّة المخالفة للكتاب أو السنّة من العمل بالخبر المخالف ، كما هو مقتضى ما دلّ منها على طرح الخبر المخالف لهما ، أو بيان شرطيّة الموافقة لأحدهما الموجبة للعلم بالصدق للعمل بالخبر ، كما هو مقتضى ما دلّ منها على طرح كلّ خبر لا يوافقهما .
وأيّاً مّا كان فهو غير صحيح .
أمّا الأوّل : فلأنّه إن اُريد بالمخالفة المفروض كونها مانعة ، المخالفة الكلّيّة الحاصلة بالتبائن الكلّي الّذي ضابطه تعذّر الجمع أو تعسّره ، فهو يوجب إخراج الأخبار الدالّة على وجوب طرح الخبر المخالف - على كثرتها حتّى ادعي تواترها معنى - بلا مورد ، إذ لا يكاد يوجد في الآحاد خبر خالف الكتاب والسنّة بالتبائن الكلّي ، بل قد يقال : بأنّه لا يوجد ذلك في الأخبار الكاذبة الّتي كان وضّاع الحديث يضعونها ويدسّونها في كتب أصحاب أئمّتنا ( عليهم السلام ) ، بل وضع مثل ذلك ينافي غرضهم من تلبيس الأمر على أصحاب الأئمّة في الاُصول والفروع وترويج مذاهبهم الباطلة ، لعلمهم بعدم قبول أحد لمثل هذا الخبر المخالف ، ومن هنا يعلم أنّ هذا النحو من الخبر على تقدير وجوده فيما بين أخبار الآحاد
تعليقة على معالم الأصول — صفحة 208
مساهمون: السيد علي الموسوي القزويني
ص٢٠٨