شرح
فتعلّق الاستحباب بواحد منهما لا محذور فيه ، وتنظّر فيه صاحب المدارك بقوله : « فيه نظر ، فإنّه إن اُريد بالاستحباب هنا المعنى العرفي وهو الراجح الّذي يجوز تركه لا إلى بدل لم يمكن تعلّقه بشيء من أفراد الواجب التخييري ، وإن اُريد به كون أحد الفردين الواجبين أكثر ثواباً من الآخر فلا امتناع فيه » انتهى ( 1 ) .
وتحقيق المقام : أنّ التنافي بينهما ممّا لا يمكن الاسترابة فيه ، فإنّ الأمر التخييري في الاستنجاء بالماء مثلا وإن اقتضى جواز تركه على تقدير حصول معادله ، ولكنّه مع ذلك يقتضي المنع من تركه على تقدير عدم حصول المعادل ، والأمر الاستحبابي الوارد فيه يقتضي الاذن في تركه على كلا تقديري حصول المعادل وعدم حصوله .
ولا ريب أنّ المنع من الترك والإذن فيه على تقدير عدم حصول المعادل متناقضان يستحيل تواردهما على محلّ واحد ، فلا محيص حينئذ من التأويل في الاستحباب بحمله على إرادة الأفضليّة أو أكثريّة الثواب ، على معنى كون الفرد المفروض لتأكّد الرجحان الوجوبي فيه بالرجحان الندبي أو لاشتماله على المزيّة الكاملة والصفة الزائدة أفضل فردي الواجب التخييري أو أكثر ثواباً من الفرد الآخر .
وإن احتمل تأويل آخر وهو اعتبار تقيّد إطلاق الإذن في الترك المأخوذة في معنى الاستحباب بكونه إلى بدل جمعاً بين الدليلين ، ولا يرد انقلاب المستحبّ حينئذ واجباً نظراً إلى أنّ المستحبّ ما جاز تركه لا إلى بدل وقد صار الآن ما لا يجوز تركه لا إلى بدل ، وهذا هو حدّ الواجب .
لإمكان دفعه ، بأنّ المستحبّ ما يجوز تركه لا إلى بدل لذاته ، وما طرأ المورد من عدم الجواز فإنّما هو لعارض التقيّد من جهة الجمع بين الدليلين لا لذاته ، فالمفهومان صادقان على المورد مع عدم اجتماع المتناقضين فيه غير أنّ الأولى هو الأوّل ، لابتناء الثاني على تكلّف واضح ولذا لم يلتفت إليه الأصحاب ، واشتهر بينهم التعبير عن الفرد المستحبّ بأفضل فردي الواجب التخييري فليتدبّر ، وقد سبق زيادة تحقيق للمقام في مباحث الواجب المخيّر .
المسألة الثالثة
في تداخل الأغسال الواجبة والمندوبة كغسلي الجنابة والجمعة ونحوهما وهذا أيضاً ممّا ذكره بعض الأعلام ( 2 ) من موارد النقض ، وبيانه مع تحرير منّا : أنّ غسل الجنابة مع( 1 ) المدارك 1 : 167 .
( 2 ) القوانين 1 : 148 .