أصل
اختلف الناس في مدلول صيغة النهي حقيقة ، على نحو اختلافهم في الأمر . *
شرح
* يحتمل كون الإضافة فيما بين الصيغة والنهي بيانيّة فيدلّ على أنّ بناء المصنّف في النهي على كونه من مقولة اللفظ ، وكونها لاميّة مراداً بها الصيغة الّتي تحصل بها النهي فيدلّ على أنّه عنده غير اللفظ ، ويحتمل وجه ثالث وهو عدم ورود هذا الإطلاق باعتبار معناه الإضافي ، بدعوى صيرورة هذا المركّب عندهم اسماً لنوع خاصّ من الأفعال وهو « لا تفعل » وما بمعناه من الثلاثي والرباعي المزيد فيهما ، والمجرّد من الرباعي ، وهذا هو الأظهر بقرينة كونه مأخوذاً في محلّ الخلاف هنا ، فإنّ النهي والصيغة المفيدة له ممّا لا يجري فيه هذا الخلاف كما لا يخفى .
وكيف كان فهذه الصيغة تستعمل في معان وهي على ما ضبطه جماعة سبعة :
التحريم كما في قوله تعالى : ( ولا تقتلوا النفس الّتي حرّم الله ) ( 1 ) .
والكراهة كما في قوله تعالى : ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) ( 2 ) .
والتحقير كما في قوله تعالى : ( ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا ) ( 3 ) .
وبيان العاقبة كما في قوله تعالى : ( ولا تحسبنّ الله غافلا عمّا يعمل الظالمون ) ( 4 ) .
والدعاء كما في قوله تعالى : ( ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) ( 5 ) .
واليأس كما في قوله تعالى : ( لا تعتذروا اليوم ) ( 6 ) .
والإرشاد كما في قوله تعالى : ( لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) ( 7 ) .
وأنت إذا تأمّلت في مجاري الاستعمالات العرفيّة تجدها مستعملة في معان اُخر كثيرة غير المعاني المذكورة .
وقد أشار بعض الأفاضل ( 8 ) إلى جملة منها ، ولم نعثر منهم على القول بكونها حقيقة في جميع تلك المعاني ، بل في كلام السيّد في المنية أنّها ليست حقيقة في الجميع إجماعاً ، فيكون الخلاف راجعاً إلى تعيين الحقيقة من تلك المعاني بعد الوفاق على مجازيّة جملة
كثيرة منها ، ومقصود العبارة فيما تقدّم تشبيه الاختلاف هنا بالاختلاف في صيغة الأمر في( 1 ) الأنعام : 151 .
( 2 ) القصص : 77 .
( 3 ) طه : 131 .
( 4 ) إبراهيم : 42 .
( 5 ) البقرة : 286 .
( 6 ) التحريم : 7 .
( 7 ) المائدة : 101 .
( 8 ) هداية المسترشدين 3 : 5 - 6 .