شرح
منها : منع كون الاستفهام إنكاريّاً ويقرّر ذلك بوجهين :
أحدهما : أنّ الاستفهام الحقيقي أعمّ من كونه للنفس أو للغير الّذي يعبّر عنه
ب " التقريري " بدليل عدم صحّة السلب عن المستفهم لأجل غيره ، والّذي يمتنع عليه تعالى
إنّما هو الأوّل دون الثاني ، فلِمَ لا يجوز أن يكون المراد به طلب الإقرار عن إبليس بالعلّة
الداعية له إلى ترك السجود ، وذلك لا ينافي استحباب السجود ولا طرد إبليس ولعنه ، لجواز
كون تلك العلّة بمكان من القبح بذاتها أوجبت هذه العقوبات وغيرها .
وثانيهما : أنّ المتعيّن عند تعذّر الحقيقة إنّما هو الاستفهام التقريري لكونه أقرب إليها
من الإنكاري باعتبار مشاركته لها في الجنس وهو طلب الفهم .
غاية الأمر أنّه في المجاز لأجل الغير وفي الحقيقة لأجل النفس ، وهو فرق بينهما في
الفصل فقط ، بخلاف الإنكار فإنّه يفارقها جنساً وفصلا كما لا يخفى ، فيكون المراد حينئذ
إبراز العلّة الّتي بعثته على ترك السجود وإقراره بها وهو الاستكبار الّذي اعترف به بعد ذلك
في قوله : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ( 1 ) وهذا أمر يتمّ إذا كان الأمر
للندب أيضاً ، فلا دلالة للاستفهام على ذمّه ولا توبيخه ، ولا في طرده وإبغاضه بعد إقراره
بكون العلّة فيه ما ذكر .
ويمكن الجواب عن الأوّل ، أوّلا : بمنع شمول حقيقة الاستفهام للطلب لأجل الغير ، لكون
الظاهر المتبادر منه كونه لأجل النفس ، والأصل فيه كونه وضعيّاً . ودعوى عدم صحّة السلب ،
يدفعها : الجزم بصحّة أن يقال - لمن استفهم للتقرير - : إنّه ما استفهم بل طلب الإقرار
والاعتراف بما هو معهود في البين .
وثانياً : منع هذه الدعوى - لو سلّمت في المادّة - في أدوات الاستفهام ، لما حقّقناه في
محلّه من عدم جواز التعدّي عن إحداهما إلى الأُخرى في إعمال الأمارة المختصّة
بإحداهما ، ولا الحكم بمدلولها في الأُخرى إلاّ بدليل آخر وليس بموجود هنا ، والملازمة
بينهما أيضاً غير ثابتة بل الثابت خلافه ، فإنّ المتبادر من الأدوات ليس إلاّ طلب الفهم
للنفس .
وثالثاً : عدم كون هذه الدعوى - بعد الغضّ عمّا ذكر - مجدية في منع وجوب السجود
بدلالة الصيغة ، فإنّ كونه مندوباً ينافيه إطلاق لفظ " الأمر " لظهوره في الإيجاب بواسطة
الوضع حسبما عرفت في محلّه ، فلا يراد به ما ليس بإيجاب إلاّ مع القرينة وهي مفروض
الانتفاء .
هامش
( 1 ) ص : 75 .