فانّ هذا الاستفهام ليس على حقيقته * ، لعلمه سبحانه بالمانع ، وإنّما هو في
معرض الانكار والاعتراض ، ولولا أنّ صيغة " اسْجُدُوا " للوجوب لما كان
متوجّهاً .
شرح
الحقيقة ، فعار عن التحقيق .
أمّا أوّلا : فلأنّ جواز استعمالها في الوجوب ولو مجازاً لم يكن من محلّ الكلام عندهم
حتّى يتمسّك لإثباته بتلك الآية .
وأمّا ثانياً : فلأنّ الاستعمال الثابت بالوجدان لا يعدّ من أمارات الحقيقة إلاّ على قول
شاذّ ، لكونه أعمّ منها ومن المجاز باعتبار كونه جنساً لهما أو فصلا هو بمنزلة الجنس ، فكيف
الاستعمال الثابت بالظاهر ولا سيّما في محلّ البحث الّذي قد استعمل في معاني عديدة كثيرة
حسبما أشرنا إليها على طريق الإجمال .
* بيان لوجه الاستدلال ومحصّله : أنّ لفظة " ما " ليست على حقيقتها ، لامتناع الاستفهام
الحقيقي على الله سبحانه من حيث علمه تعالى بعلّة ترك السجود ،
فتكون مراداً بها الإنكار ، والمراد بالمنع الدعاء والبعث ، ووجه إطلاقه عليهما لكون المانع
عن السجود - كما في قوله تعالى : ( ما منعك أن تسجد إذ أمرتك ) ( 2 ) في آية أُخرى - داعياً
وباعثاً على تركه وعلّة له ، فيكون المراد إنكار ما يصلح داعياً إلى الترك وباعثاً عليه عقلا أو
شرعاً لا مطلقاً ، لاستحالة الترك بدونه كاستحالة الفعل بدونه .
ومن المقرّر في محلّه أنّ الإنكار في الماضي يفيد الذمّ والتوبيخ ، كما أنّه في المستقبل
يفيد الترغيب والتحريص ، ولا معنى للذمّ والتوبيخ على ترك السجود إلاّ إذا كان واجباً ، وهو
فرع كونه ممّا أفاده الصيغة المجرّدة عن القرائن ، كما أنّ الاستحقاق بهما فرع لفهمه عنها وهو
المطلوب .
ويمكن تقرير ذلك : بأنّ الصيغة حين صدورها إن كانت ممّا فهم منها الوجوب
فهو المطلوب ، وإلاّ فيلزم الخطاب بما له ظاهر وإرادة خلافه على تقدير كونها حقيقة في غير
الوجوب فقط ، أو تأخير البيان عن وقت الحاجة على تقدير اشتراكها بين الوجوب وغيره .
واعترض عليه بوجوه :
هامش
( 1 ) الأعراف : 12 .