شرح
ما تبيّن الحكم في مقدّمة الواجب بما لا مزيد عليه ، وإنّما الإشكال في صغرى القياس وهي
أنّ ترك الحرام هل له مقدّمة بالمعنى المتقدّم لتكون واجبة بوجوبه أو لا ؟
وعلى الأوّل فهذه المقدّمة ماذا ؟ فإنّ فيه خلاف بينهم ، فمنهم من زعم أنّ مقدّمته فعل أحد
الأضداد الوجوديّة على الإطلاق . ومن هنا نشأ الشبهة المعروفة عن الكعبي في نفي المباح .
ومنهم من توهّم أنّ فعل الضدّ مقدّمةً له في الجملة ، كما لو اتّفق توقّفه على فعل المباح بحيث
لولاه لما تحقّق الترك ، وإلاّ فالأغلب كون مقدّمته وجود الصارف أو ترك الإرادة ، وعليه
جماعة منهم بعض الأعلام ووافقه آخرون
ومنهم من جزم بانحصار مقدّمته في عدم الإرادة وعدم صلاحيّة فعل المباح أو غيره من
الأضداد الوجوديّة لكونه مقدّمة ، بل هو لو اجتمع مع ترك الحرام فهو من باب المقارنات
الاتّفاقيّة ، وعليه بعض المحقّقين وهذا هو الأسدّ والموافق للنظر ، لما أشرنا إليه إجمالا
ونحقّقه تفصيلا في بحث الضدّ من عدم تمانع الأضداد .
وبيانه الإجمالي هنا : أنّ معنى كون شيء مقدّمةً لآخر أنّه من لوازم وجوده ، وأنّه لولا تحقّقه
لما اتّفق له الوجود ، وأنّ وجوده لا يستند إلاّ إليه إمّا لكونه علّةً تامّة له أو جزء من علّته
التامّة شرطاً كان أو ما هو بمنزلته ، وكون فعل الضدّ ممّا يترتّب عليه ترك الحرام ترتّباً فعليّاً
لا يعقل إلاّ على فرض كونه علّة تامّةً له أو ما هو بمنزلتها كالجزء الأخير منها ، لأنّ ما عداهما
لا يلزم من وجوده الوجود كما لا يخفى ، وكونه علّة تامّة باطل لأنّا نرى بالوجدان
الضروري امتناعه مع إرادة فعل الحرام وإلاّ لأدّى إلى تناقض الإرادتين من حيث إنّه
يستلزم إرادة أُخرى .
وكونه الجزء الأخير منها أيضاً باطل ، لأنّا نجد من أنفسنا أنّه لا يستند إلاّ إلى مجرّد عدم
الإرادة بحيث لو اتّفق وجوده معه فإمّا من باب المقارنات الاتّفاقيّة إن قلنا بجواز الخلاء ، أو
التلازم بين شيئين لم يكن بينهما ترتّب ولا تأثير ، فكما أنّ عدم إرادته مع إرادة ضدّه
متلازمان في الوجود ولا ترتّب بينهما فكذلك عدمه مع وجود الضدّ في محلّه متلازمان في
الوجود معلولان لعلّة أُخرى ، كيف لا وأنّا نقطع بالبديهة أنّ الجزء الأخير من علّة وجوده بعد
تحقّق سائر شرائطه مع انتفاء موانعه إنّما هو الإرادة .
ومن البيّن أنّ انتفاء الجزء الأخير من علّة الوجود علّة تامّة للعدم ، فإذا انتفت الإرادة يستند
إليه الترك خاصّة ويبقى سائر الأجزاء الّتي كلّ منها شرط في حدّ ذاته على إطلاقها من