شرح
وهذا بعينه نظير ما يقولون في القضيّة الأُخرى من أنّ الوجوب بالاختيار ، لا ينافي الاختيار
ردّاً على الأشاعرة أيضاً القائلة بالجبر ، لأنّ العبد إذا أراد إيجاد فعل بإرادة جزميّة يوجده
ويصير ذلك الفعل واجباً عليه غير ممكن تركه فكيف يقال : إنّه مختار بحيث لو شاء فعل ولو
شاء ترك ، وإنّما راموا بذلك أنّ وجوب الفعل حينئذ مسبّب عن اختيار الفاعل وإرادته
الاختياريّة ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار بمعنى أنّه حين صيّره واجباً كان
مختاراً في فعله وتركه ، فإذا اختار الفعل صار واجباً فهو لا ينافي كونه مختاراً بل يؤكّده
ويحقّقه ، وكذا الحال في صورة الامتناع فإنّه لكونه ناشئاً عن الاختيار لا ينافيه بل يؤكّده
ويحقّقه .
وممّا يشهد بأنّ ذلك هو المراد من القضيّة لا الاختيار بعد الامتناع إطلاقهم إيّاها في حقّ
الكافر في ردّ من أنكر كونه مكلّفاً بالفروع ، تعليلا بعدم تمكّنه في حال الكفر منها وامتناعها
عليه حينئذ ، ضرورة أنّه ليس المراد بالاختيار الثاني هنا هو الاختيار في ثاني زمان
الامتناع لعدم صيرورته بالنسبة إلى ذلك ممتنعاً ، بل المراد به الاختيار حين الامتناع بمعنى
أنّ ما امتنع عليه من العمل الصحيح كان مقدوراً له باعتبار قدرته على إزالة الكفر ، فهو من
جهة اختياره ترك الإزالة صيّره غير مقدور في حقّه .
فالحاصل الامتناع بالاختيار بالمعنى الّذي فهمه المشهور ينافي الاختيار ، ومعه يقبح
التكليف لكونه تكليفاً بالممتنع .
فمن هنا ظهر فساد القول بعدم المنافاة مطلقاً ، كما يظهر فساد القول بالتفصيل فيما بين
الخطاب والعقاب فينافي على الأوّل دون الثاني ، لأنّه إذا كان الخطاب بغير المقدور محالا
فالعقاب عليه أيضاً قبيح ، كما يشهد به المثال العرفي المتضمّن لذمّ العقلاء آمر المشلول
بالقيام وضاربه ، مع أنّ العقاب فرع الخطاب والمفروض انتفاؤه فكذلك العقاب .
نعم لو أُريد بالعقاب ما يترتّب على التكليف السابق الّذي سقط عنه لأجل الامتناع فلا ضير
فيه ، وأمّا العقاب على ما بعد الامتناع الّذي لا تكليف بالنسبة إليه أصلا فمحال ، إلاّ أن يراد به
العقاب المترتّب على تفويت التكاليف عن نفسه ، ولكنّه ليس من العقاب على ما لا خطاب
فيه أصلا بل هو أيضاً عقاب على ما تعلّق به الخطاب سابقاً على التفويت ، وهو تكليفه بأن لا
يفوّت التكاليف الآتية عن نفسه عقلا والمفروض تفويته فصار معاقباً .
وأمّا التفصيل الآخر في القضيّة فيما بين بقاء الاختيار وسلبه فلا منافاة على الأوّل خاصّة ،
ففاسد أيضاً لأنّ عدم المنافاة في الصورة الأُولى لو أُريد به عدمها في حال امتناع