شرح
وبالتأمّل فيما قرّرناه من الجواب مع ملاحظة ما ذكرناه من أنّ المصنّف فهم من الاحتمالات
الثلاث الجارية في لفظة " حينئذ " الاحتمال الأوّل تعرف أنّه على هذا التقدير كلام جيّد ،
ضرورة أنّ جواز الترك لا يستلزم الترك حتّى يترتّب عليه لزوم التكليف ، كما أنّه لا يستلزم
سلب القدرة عن المقدّمة أو عن الواجب ، لأنّ تأثير إيجابها في القدرة عليها أو على الواجب
غير معقول ، فعلى هذا يكون قوله : " وتأثير الإيجاب " إلى آخره ، من تتمّة الجواب لا أنّه
جواب آخر نقضي كما توهّمه بعضهم ، بدعوى : أنّه نقض بصورة الوجوب لو تركها عصياناً ،
إذ لو عصى بتركها فإمّا أن يكون الوجوب باقياً فيلزم التكليف بما لا يطاق ، أو مرتفعاً فيلزم
خروج الواجب عن الوجوب .
وإنّما يستقيم ذلك النقض ممّن يجعل الجواب على تقدير الاحتمال الثاني من الاحتمالات
المذكورة كما هو ظاهر الاستدلال على ما عرفت آنفاً ، ولكن ذلك حينئذ من جهة أنّه على
هذا التقدير يصير جواباً ثانياً فيبقى الجواب الأوّل وهو منع لزوم التكليف بما لا يطاق
بمجرّد ترك المقدّمة محلاّ للمناقشة ، لأنّ لزوم ذلك في بعض الصور ممّا لا مجال لإنكاره كما
يتّفق ذلك في ترك الخروج مع القافلة الأخيرة بالنسبة إلى الحجّ .
وربّما يقال في توجيه العبارة المسوقة لبيان منع الملازمة : " بأنّ المقدور لا يخرج عن
المقدوريّة الأصليّة بسبب ترك اختياري ، وإن عرض له الامتناع بالغير بسبب اختياره ، فإنّ
الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، كما يقال : إنّ الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ،
والكلام إنّما هو فيما هو مقدور بالنظر إلى ذات المكلّف والزمان والمكان وسائر الأُمور
الخارجة سواء أراده المكلّف واختاره أو لا ، فكيف يصير ممتنعاً امتناعاً مانعاً عن تعلّق
التكليف بمجرّد إرادته واختياره ، كيف ولو كان كذلك لم يتحقّق عاص بترك الواجبات مثلا ،
إذ الفعل ممتنع عنه بالنظر إلى إرادته واختياره عدمه " انتهى .
وأنت خبير ببُعد هذا المعنى عن العبارة كمال البُعد ، وإنّما يلائم ذلك لو أُريد الجواب بمنع
بطلان اللازم ، فلذا ترى جماعة أنّهم استشهدوا بالقضيّة المذكورة المشهورة عند منع بطلان
اللازم بعد تسليم الملازمة ، فقالوا : " بأنّ التكليف بما لا يطاق إنّما يقبح على الحكيم إذا لم
يكن الامتناع ناشئاً عن اختيار المكلّف ،
وأمّا معه فلا قبح فيه ، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " .
ويشكل ذلك : بأنّ امتناع التكليف بالممتنع إنّما هو من جهة أمر راجع إلى المكلّف