تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
شرح
لدعوى كون غرض الشارع من الأمر بذي المقدّمة بياناً لفوات خاصيّة المأمور به عن المأمور غير مقصود به حصول الفعل نظراً إلى امتناعه . وأمّا ثانياً : فلأنّ كون غرض الشارع من الأمر بذي المقدّمة بيان خاصيّة المأمور به الفائتة عن المكلّف إن كان مع الطلب والإرادة الحتميّين فهو كرّ على ما فرّ . وإن كان بلا طلب وإرادة بأن يكون لمجرّد الإخبار بتلك الخاصيّة فهو خروج عن موضع البحث ، لأنّ فرض الكلام إنّما هو على تقدير بقاء وجوب ذي المقدّمة على تقدير ترك المقدّمة الّذي لا يراد منه إلاّ الطلب الحتمي الإلزامي ، وإلاّ فينقلب المقدّمة الأُولى المذكورة في تقرير الاستدلال بالمقدّمة الثانية وهي خروج الواجب عن وجوبه ، ضرورة أنّ مفاد أمر الطبيب ليس هو الواجب المصطلح الّذي يستحقّ العقاب بمخالفته ، والكلام إنّما هو في ذلك دون غيره . وأمّا التمسّك على جواز التكليف بالممتنع العرضي الناشئ امتناعه عن اختيار المكلّف بالقضيّة المتقدّمة ، فمبنيّ إمّا على كون المراد بثاني الاختيارين كون الفعل اختياريّاً في تنافي حال الامتناع أو كونه في حكم الاختياري في تعلّق الخطاب به وترتّب العقاب على مخالفته ، والأوّل بإطلاقه غير صحيح لما سنقرّره والثاني أيضاً غير سديد لما عرفت . وربّما يعترض عليه أيضاً : بأنّ ذلك مبنيّ على توهّم كون المراد بالاختيار الثاني هو الاختيار في ثاني زمان الامتناع ، بمعنى كونه مختاراً في الفعل فعلا بعد ما صار ممتنعاً ، فحينئذ يجوز التكليف به فعلا لأنّه تكليف بالفعل الّذي فاعله مختار فيه وإن كان هو بنفسه ممتنعاً . وهو كما ترى توهّم فاسد واشتباه فاحش ناش عن عدم التدبّر في فهم تلك القضيّة وعدم فهم المراد منها ، فإنّها قضيّة كلاميّة ذكرها علماء الكلام قبالا للجبر الّذي صار إليه الأشاعرة ، بدعوى : أنّ العباد مجبورون في أفعالهم غير مختارين ، لأنّ المختار كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك ، فالعبد إذا أراد ترك فعل من أفعاله إرادة جزميّة فهو بعد الترك لا يقدر على فعله فكيف يقال بأنّه بحيث إن شاء فعل ، فيكون مختاراً لتكون ردّاً عليهم في ذلك المذهب الفاسد والاعتقاد الكاسد . ومحصّل مرادهم بها : أنّ الامتناع صفة للفعل والاختيار صفة للفاعل ، ومعنى ذلك أنّ صيرورة الفعل ممتنعاً بسبب اختيار المكلّف امتناعه باعتبار إرادته لتركه لا ينافي اختياره فيه وكونه مختار بالنسبة إليه في آن اختيار الترك وحصول الامتناع ، من جهة أنّه إنّما امتنع لأجل تركه الاختياري .