تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
شرح
ألا ترى أنّهم في تفسير " الأمر " بكونه طلب الفعل بالقول أو مطلقاً استعلاء من العالي أو لا معه ، أو لا معهما أو مع العلوّ فقط أو غير ذلك من الخلافات المتقدّمة في مفتتح الكتاب قيّدوه بالاصطلاح ، مع أنّهم لا يريدون به إلاّ تعريف المعنى العرفي الّذي ينساق منه عند الإطلاق ، وإنّما قيّدوه بذلك لأنّه تفصيل لما يفهمه العرف إجمالا ولا يقدر على التعبير عن تفاصيله بما عبّروا به من العبارات ، ولكون ذلك من خصائصهم فكأنّه أمر مستحدث لم يكن معهوداً في العرف . وبالتأمّل في بناء العرف وقضاء القوّة العاقلة يقطع بأنّ الإرادة والطلب المعتبرين في مفهوم الوجوب بل الكراهة والطلب المأخوذين في مفهوم الحرمة أعمّ من الفعلي والشأني ، والمراد به كون الشيء باعتبار ما في ذاته من المصلحة الكامنة بحيث لا ينبغي لكلّ من التفت إليه وإلى مصلحته إلاّ إرادته فعلا وطلبه حتماً بعبارة مصرّحة به ، إلاّ إذا علم بكون القضيّة الشأنيّة معلومة لكلّ من لا يصرّح له بالطلب ولا يريده منه تفصيلا ، حيث نراهم لا يزالون يعاملون مع الطلبات الشأنيّة معاملة الفعليّات وينزّلون الإرادات الإجماليّة منزلة التفصيليّات ، كما نرى القوّة العاقلة لا تأبى عن عقاب من يخالفها في مظانّها مع علمه بالقضيّة الشأنيّة ، فلذا يذمّ ويعاقب العبد التارك لإنقاذ والد سيّده عن الغرق أو الحرق ، ولإنجاء سيّده عن أيادي أعدائه مع قدرته عليه ، ولحفظ مال سيّده عن اللصّ والإغارة مع تمكّنه منه ، ولدفع السبع عن بهيمته ولرفع المَضارّ عنه ، وعن كلّ من يتعلّق به مع عدم أمر منه بشيء من ذلك فعلا ولا إيجاب تفصيلا ، وكذلك العبد إذا قتل ابن مولاه أو أخرب بيته أو خانه في بنته أو زوجته أو سائر محارمه ومتعلّقاته ونحو ذلك ممّا لا يحصى ، مع عدم نهي منه عن شيء من ذلك فعلا ولا منع تفصيلا ، فلولا كفاية القضايا الشأنيّة في انعقاد الإلزاميّات لما كان لذلك وجه ، ضرورة أنّ الذمّ والعقاب لا يستحقّهما إلاّ العاصي ولا عصيان إلاّ مع الوجوب أو التحريم . فانتفاء الطلب الفعلي والإرادة أو الكراهة التفصيليّة ينشأ إمّا عن عدم الالتفات إلى الموضوع أو صفته فعلا ، أو الاعتماد على معلوميّة القضيّة الشأنيّة للمكلّف بحكم عقله ، وهذا أحد المحتملات الجارية عندنا فيما حكم به العقل في مستقلاّته وإن لم نر من القوم التعرّض لذكره ، بناءاً على أنّ معنى حكم العقل إدراكه للحكم الشرعي كما هو الأظهر في النظر القاصر لا كونه مثبتاً له .