تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعليقة على معالم الأصول — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
شرح
وإن أُريد به أنّه مع ذلك من مصاديق الذهاب ، فهو المانع من جريان النزاع فيه . ففيه : جواز وقوع شيء واحد شخصي مصداقاً لمفهومين تعلّق به الأمر والنهي باعتبارين ، فيصدق عليه أنّه ما أمر به بعدما حظر عنه بعينه ، فيندرج في ظاهر العنوان كما لا يخفى . واستدلّ على إفادته الوجوب أيضاً : بأنّ الأمر بعد الحظر اللفظي ليس بأكثر من الأمر بعد الحظر العقلي . ألا ترى أنّ الصلاة ورمي الجمار وغير ذلك من الشرعيّات قبيح بالعقل فعلها ومع ذلك لمّا ورد الأمر بها يحمل على الوجوب أو الندب على الخلاف . وقد يقرّر ذلك : بأنّه لا كلام عند القائل بكونها للوجوب أنّ ورودها بعد الحظر العقلي لا ينافي حملها على الوجوب ، ولذا يحمل أوامر العبادات على الوجوب إلى أن يتبيّن المخرج عنه ، مع أنّها قبل الأمر كانت محرّمة من جهة البدعة فيكون الحال كذلك في الحظر الشرعي . وأُجيب عن الأوّل : بخروج ما ذكر من المحظور العقلي عن المتنازع فيه ، فإنّ الّذي تعلّق به النزاع ما إذا تعلّق الأمر بشيء بعد ما تعلّق به النهي ، فيدّعي القائل بالإباحة حينئذ إفادته الرخصة في فعله ، وليس الأمر في قضيّة الحظر العقلي كذلك لأنّ المحظور عند العقل هو ما لا يدرك العقل فيه حسناً ولا منفعة واحتمل فيه مضرّة وقبحاً ، وهذا ليس ممّا تعلّق به أمر الشارع ليكون من موضوع المسألة ، فما أمر به الشارع لا يكون من موضوع حكم العقل ، وما حظره العقل لم يأمر به الشارع حتّى أنّ المحظور عقلا محرّم شرعي بعدُ ، فاختلف الموضوعات ، بخلاف ما يتّفق في الحظر اللفظي والأمر اللفظي ، فإنّ الموضوع فيهما واحد ولم يتحقّق فيه اختلاف إلاّ بالترتّب في الحكم بتقدّم النهي وتأخّر الأمر ، وذلك صار عرفاً صارفاً عن فهم الوجوب من الأمر ، فعلى هذا يقال في الجواب : إنّ هذا قياس ومع الفارق . وعن الثاني : بالفرق الظاهر بين الحظر العقلي من جهة البدعيّة وغيرها والحظر المصرّح به في كلام الشارع ، فإنّ المنع هناك إنّما يجيء بعدم أمر الشارع به وإذنه في الإتيان به فلا يزاحمه الأمر بالفعل بعد ذلك بوجه من الوجوه ، بخلاف محلّ الكلام لوضوح غاية المبائنة بين الحكم بتحريم الإتيان بالشيء والحكم بوجوبه ، فلا يلتزم به إلاّ مع قيام دليل واضح عليه .