تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وجَناحانِ إذا صاحَ يُنْبي بالظَّفَرِ ، وهذا رُوِي عن مجاهِدٍ . وقالَ الرَّاغبُ : هذا القَوْلُ ما أراهُ بصَحِيحٍ . وقالَ غيرُهُ : كانَ في التَّابوتِ مِيراثُ الأنْبياءِ ، عليهم وعلى نبيِّنا أَفْضل الصَّلاة والسَّلام ، وعَصَى موسَى وعَمامَةُ هَارُون الصَّفْراء . وعن ابنِ عبَّاسٍ ، رضِيَ الّلهُ تعالى عنهما : هي طستٌ مِن ذَهَبٍ مِن الجنَّةِ كانَ تُغْسَل فيه قُلوبُ الأَنْبياءِ ، عليهم السَّلام . وعن ابنِ وهبٍ : هي روحٌ مِن رُوحِ الّلهِ إذا اخْتَلَفوا في شيءٍ أَخْبَرَهم ببيانِ ما يُرِيدُون . وفي حدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ ، رضِيَ الّلهُ تعالى عنهما : كنا نَتَحدَّثُ أنَّ السَّكِينَةَ كانتْ تنطقُ على لسانِ عُمَر وقلْبهِ ، فقيلَ هي مِن الوقارِ والسّكُونِ ؛ وقيلَ : هي الرَّحْمةُ ، وقيلَ : هي الصّورَةُ المَذْكورَةُ . قالَ بعضُهم : وهو الأَشْبَه : قلْتُ : بل الأَشْبَه أَنْ يكونَ المُرادُ بها النُّطْق بالحكْمَةِ والصَّوابِ والحَيْلولَة بَيْنه وبينَ قوْل الفَحْشاء والخَنَا واللّغْو والهَجْر والاطْمِئْنان وخُشُوع الجَوارِحِ ، وكثيراً ما ينْطقُ صاحِبُ السَّكِينَةِ بكَلامٍ لم يكنْ عن قدْرَةٍ منه ولا رَ وِيَّة ، ويَسْتغْربُه مِن نفْسهِ كما يَسْتغْربُه السامِعُ له ، ورُبَّما لم يعْلَم بعد انْقِضائِه ما صَدَرَ منه ، وأَكْثَر ما يكونُ هذا عنْدَ الحاجَةِ وصدْقِ الرَّغْبةِ مِن السَّائِلِ والجالِسِ ، وصدْق الرَّغْبةِ منه إلى الّلهِ تعالَى ، وهي وهبيةٌ مِن الّ لهِ تعالَى ليْسَتْ بسَبَبِيّة ولا كَسْبِيَّة ، وقد أَحْسَنَ مَنْ قالَ : وتلك مواهبُ الرَّحمن ليْسَت * تحصل باجتهادٍ أو بكسب ولكن لا غِنًى عن بَذْلِ جهدِ * وإخلاص بجٍدّ لا بلعبِ وفضل الله مبذولٌ ولكن * بحكمتِهِ وهذا النص يُنْبيِ فتأَمَّل ذلِكَ فإنَّه في غايَةِ النَّفاسَةِ . وأَصْبَحُوا مُسْكِنِين : أَي ذَوِي مَسْكَنةٍ ؛ عن اللَّحْيانيّ ، أَي ذلّ وضَعْفٌ وقلَّة يَسَارٍ . وحُكِي : ما كانَ مِسْكيناً وإنَّما سَكُنَ ، ككَرُمَ ونَصَرَ ( 1 ) . ونَصّ اللّحْيانيّ : وما كُنْت مِسْكيناً ولقد سكنت ( 2 ) . وأَسْكَنَه الله وأَسْكَنَ جَوْفَه : جَعَلَه مِسْكِيناً . والمِسْكِينَةُ : هي المدينةُ النَّبَوِيَّةُ ، صلى اللهُ تعالى على ساكِنِها وسلم . قالَ ابنُ سِيْدَه : لا أَدْرِي لِمَ سُمِّيت بذلِكَ إلاَّ أَنْ يكونَ لفقْدِها النَّبيّ ، صلى الله عليه وسلم وقد ذَكَرَها المصنِّفُ في المَغانِمِ المُسْتطابَه في أَعْلام طَابَه . واسْتكانَ الرَّجُلُ : خَضَعَ وذَلَّ . ومنه حدِيثُ توْبَة كَعْب : أمَّا صاحِبَاي فاسْتَسكانَا وقَعَد في بيوتِهما ، أَي خَضَعا وذَلاَّ ؛ افْتَعَلَ من المَسْكَنَةِ ؛ ووَقَعَ في بعضِ الأصُولِ : اسْتَفْعل ( 3 ) من السُّكونِ ، وهو وَهمٌ فإنَّ سِينَ اسْتَفْعل ز ائِدَةٌ ، أُشْبِعَتْ حركةُ عَيْنِه فجاءَتْ أَلِفاً . وفي المُحْكَم : وأَكْثر ما جاءَ إشْباعُ حَرَكةِ العَيْنِ في الشعْرِ كقوْلِهِ : يَنْباعُ من دَفْرَى غَضُوب ( 4 ) أَي يَنْبَع ، مُدَّتْ فتْحَةُ الباءِ بأَلفٍ ، وجَعَلَه أَبو عليَ الفارِسِيُّ رحِمَه الّلهُ تعالَى ، مِن الكَيْنِ الذي هو لحْمُ باطِنِ الفرْجِ لأنَّ الخاضِعَ الذَّليلَ خفيٌّ ، فشبَّهَه بذلِكَ لأنَّه أَخْفَى ما يكونُ مِنَ الإِنْسانِ وهو يَتعدَّى بحرْفِ الج رِّ ودُونه ؛ قالَ كثيِّرُ عزَّةَ : فما وَجُدوا فيكَ ابنَ مَرْوانَ سَقْطة * ولا جَهْلةً في مازِقٍ تَسْتَكِينُها
هامش
( 1 ) اللسان : أسكنت . ( 2 ) على هامش القاموس عن إحدى النسخ : وأسكن . ( 3 ) اللسان : استفعال . ( 4 ) من صدر بيت لعنترة ، وتمامه : ينباع من ذفرى غضوب جسرة * زيافة مثل الفنيق المقرم ويروى : المكدم .
تاج العروس — صفحة 289 | علي شيري / مرتضى الزبيدي