تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
أَشَدّ حالاً مِن الفَقيرِ ، قالَ : وقُلْتُ لأَعْرابيَ أَفَقيرٌ أَنْتَ ؛ فقالَ : لا والله بل مِسْكِينٌ . وفي الحدِيثِ : ليسَ المِسْكِينُ الذي تَرُدُّه اللُّقْمةُ واللُّقْمتانِ ، وإنَّما المِسْكِينُ الذي لا يَسْأَل ولا يُفْطَنُ له فيُعْطَى ، انتَهَى . وقد تقدَّمَ الفَرْقُ بينَ المِسْكِين والفَقِير أنَّ الفَقِيرَ الذي له بعضُ ما يقيمُهُ ، والمِسْكِينُ أَسْوأُ حالاً مِن الفَقِيرِ ؛ نَقَلَه ابنُ الأنْبارِيّ عن يونُسَ ، وهو قوْلُ ابنِ السِّكِّيت ، وإليه ذَهَبَ مالِكٌ وأَبو حَنِيفَةَ ، رضِيَ الّلهُ عنهما ، واسْتتَدَلَّ يونس بقولِ الرَّاعي : أَمَّا الفَقِيرُ الذي كانَتْ حَلوبَتُه * وَفْق العِيالِ فلم يُتْرَك له سَبَدُ ( 1 ) فأَثْبَتَ أنَّ للفَقيرِ حَلوبَة وجَعَلَها وَفْقاً لعِيالِه . ورُوِي عن الأَصْمعيّ أنَّه قالَ : المِسْكِينُ أَسْوأُ حالاً مِن الفَقِيرِ ، وإليه ذَهَبَ أَحمدُ بنُ عُبَيْدٍ ، رحِمَه الّلهُ تعالَى ، قالَ : وهو القوْلُ الصَّحِيحُ عنْدَنا ؛ وإليه ذَهَبَ عليُّ بنُ حَمْزَةَ الأصْبهانيُّ اللّغَويُّ ، ويَرى أنَّه الصَّوابُ وما سِواهُ خَطَأٌ ، ووَافَقَ قوْلُهم قوْلَ الإمامِ الشافِعِيّ ، رضِيَ الله عنه . وقالَ قتادَةُ : الفَقِيرُ الذي به زَمانَة ، والمِسْكِينُ الصَّحيحُ المُحْتاجُ . وقالَ زِيادَةُ الّلهِ بنُ أَحْمدَ : الفَقِيرُ القاعِدُ في بيْتِه لا يَسْأَلُ ، والمِسْكِينُ : الذي يَسْأَلُ . وأَمَّا قَوْله ، صلى الله عليه وسلم اللَّهُمَّ أَحْينِي مِسْكِيناً وَأمِتْني مِسْكِيناً واحْشُرْني في زُمْرَةِ المَساكِين ، فإنَّما أَرادَ به التَّواضعَ والإِخْباتَ وأنْ لا يكون مِن الجبَّارِين المُتَكبِّرِين ، أَي خاضِعاً لك يا رَبّ ذَلِيلاً غَيْرَ مُتك َبِّرٍ ، وليسَ يُرادُ بالمِسْكِينِ هنا الفَقِيرُ المُحْتاج ، وقد اسْتَعاذَ ، صلى الله عليه وسلم من الفَقْرِ ، ويمكنُ أَنْ يكونَ مِن هذا قَوْله تعالَى : ( أَمَّا السَّفِينَة فكانتْ لمَسَاكِين ) ( 2 ) ، سَمَّاهُم مَساكِين لخضُوعِم وذلّهم مِن جَوْرِ الملكِ ، وقد يكونُ المِسْكِينُ مُقِلاًّ ومُكْثِراً ، إذ الأصْل فيه أنَّه مِنَ المَسْكَنة ، وهي الخُضُوعُ والذلُّ . وقالَ ابنُ الأثيرِ : يَدُورُ معْنَى المَسْكَنة على الخُضُوعِ والذلَّةِ وقلَّةِ المالِ والحالِ السَّيْئةِ . ج مَساكِينُ ، وإنْ شِئْتَ قلْتَ : مِسْكِينُونَ ، كما تقولُ فَقِيرُونَ . قالَ الجَوْهرِيُّ : وإنَّما قالوا ذلِكَ مِن حيثُ قيلَ للإِناثِ مِسْكِينات لأَجْل دُخولِ الهاءِ ، انتَهَى . وقالَ أَبو الحَسَنِ : يعْني أنَّ مِفْعيلاً يَقَعُ للمُذكَّرِ والمُؤَنَّثِ بلفْظٍ واحِدٍ نحْو مِحْضِيرٍ ومِئْشِيرٍ ، وإنَّما يكونُ ذلِكَ ما دامَتِ الصَّيغةُ للمُبالَغَةِ ، فلمَّا قالوا مِسْكِينة يَعْنونَ المُؤَنَّث ولم يقْصِدُوا به المُبالَغَة شبَّهُوها ب فَقِيرَةٍ ، ولذلِكَ ساغَ جَمْع مُذَكَّره بالواوِ والنُّونِ . وسَكَنَ الرَّجُلُ وتَسَكَّنَ ، عن اللَّحْيانيِّ على القِياسِ وهو الأَكْثَر الأَفْصَح ، كما قالَهُ ابنُ قتيبَةَ ، وتَمَسْكَنَ كما قالوا تَمَدْرَعَ مِن المِدْرعَةِ وهو شاذٌّ مخالِفٌ للقِياسِ ، نَقَلَه الجَوْهرِيُّ ؛ صارَ مِسْكِيناً . وقد جاءَ في الحدِيثِ أنَّه قالَ للمُصلِّي : تَبْأَسُ وتَمسْكَنُ وتُقْنِعُ يَدَيْك . قالَ القُتَيْبيُّ : كانَ القِياسُ تسَكَّن إلاَّ أنَّه جاءَ في هذا الحَرْف تَمَفْعَل ، ومِثْلُه تَمَدْرَعَ وأَصْلُه تَدرَّع ، ومعْنَى تَمَسْكَنَ : خَضَعَ لّلهِ وتَذَلَّلَ . وقالَ اللّحْيانيُّ : تَمَسْكَنَ لربِّه : تَضَرَّعَ . وقالَ سِيْبَوَيْه : كلُّ مِيمٍ كانتْ في أَوَّلِ حَرْفٍ فهي مَزِيدَةٌ إلاَّ مِيم مِعْزى ، ومِيم مَعَدِّ ، ومِيم مَنْجَنِيقٍ ، ومِيم مَأْجَجٍ ، ومِيم مَهْدَدٍ . وهي مِسْكينٌ ومِسْكينَةٌ ، شاهِدُ المِسْكِينِ للأُنْثى قَوْلُ تأَبَّطَ شرَّاً : قد أَطْعَنُ الطَّعْنَةَ النَّجْلاءِ عن عُرُضٍ * كفَرْجِ خَرْقاءَ وَسْطَ الدارِ مِسْكينِ ( 3 )
هامش
( 1 ) ديوانه ط بيروت ص 64 وانظر تخريجه فيه . ( 2 ) الكهف ، الآية 79 . ( 3 ) اللسان .