تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاج العروس — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
يقالُ : سُمِّيَت بذلِكَ لأَنَّها تُتَّقَى ولا تُرَى ؛ كما في الصِّحاحِ . وكانوا في الجاهِليَّة يسمّونَ المَلائِكةَ ، عليهم السَّلام ، جِنّا لاسْتِتارِهم عن العُيونِ ؛ قالَ الأَعْشَى يَذْكُر سُلَيْمان ، عليه السّلام : وسَخَّر من جِنِّ الملائكِ تِسعةً * قِياماً لَدَيْه يَعْمَلونَ محاربا ( 1 ) وقد قيلَ في ( إلاَّ إبْليس كانَ مِن الجنِّ ) ( 2 ) : إنَّه عَنَى المَلائِكَةَ . وقالَ الزَّمَخْشرِيُّ ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى : جنى المَلائِكَة والجِنُّ واحِدٌ ، لكن من خَبُثَ من الجِنّ وتمردَ شَيْطانٌ ومَن تَطَهَّر منهم ملَكٌ قال سعدى جلبي وفسّرَ الجِنَّ بالمَلائِكَةِ في قوْلِهِ تعالَى : ( وجَعَلوا للَّهِ شُرَكاء الجِنّ ) ( 3 ) . وقالَ الرَّاغِبُ ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى : الجِنُّ يقالُ على وَجْهَيْن : أَحَدُهما للرُّوحانِيِّين المُسْتَتِرَة عن الحَواسِّ كُلِّها بإزاءِ الإِنْس ، فعلى هذا تَدْخُل فيه المَلائِكَةُ كُلّها جِنّ ، وقيلَ : بل الجِنّ بعض الرُّوحانِيِّين ، وذلِكَ أَنَّ ا لرُّوحانِيِّين ثلاثَةٌ : أَخْيارٌ وهُم المَلائِكَة ، وأَشْرارٌ وهُم الشَّياطِين ، وأَوْساط فيهم أَخْيارٌ وأَشْرارٌ وهُم الجِنُّ ، ويدلُّ على ذلِكَ : ( قُل أَوحى إليَّ أَنَّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِن الجِنِّ ) ( 4 ) ، إلى قوْلِه تعالَى : ( ومِنَّا القاسِطُون ) . قالَ شيْخُنا ، رَحِمَه اللَّهُ تعالَى : وقالَ بعضُهم : تفْسِيرُ المصنِّفِ الجِنّ بالمَلائِكَة مَرْدودٌ ، إذ خَلَقَ المَلائِكَة مِن نورٍ ولا مِن نارٍ كالجِنِّ ، والمَلائِكَةُ مَعْصومُونَ ولا يَتَناسَلُونَ ولا يتَّصِفونَ بذكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ بخِلافِ الجِنّ ِ . ولهذا قالَ الجَماهيرُ : الاسْتِثناءُ في قوْلِه تعالَى : ( إلاّ إِبْليِس ) ، مُنْقطعٌ أَو مُتَّصلٌ لكَوْنِه كانَ مَغْموراً فيهم مُتَخلِّقاً بأَخْلاقِهم ، وقيلَ غيرُ ذلِكَ ممَّا هو مَذْكورٌ في شرْحِ البُخارِي أَثْناء بدْءِ الخَلْقِ وفي أَكْثَر التَّفاس ِيرِ ، واللَّهُ أَعْلم . * قُلْت : وقالَ الزَّجَّاجُ : في سِياقِ الآيةِ دَليلٌ على أنَّه أُمِرَ بالسّجودِ مع المَلائِكَةِ ، وأَكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسيرِ أنَّه مِن غيرِ المَلائِكَةِ ؛ وقد ذَكَرَ اللَّهُ تعالَى ذلِكَ فقالَ : ( كانَ مِن الجِنِّ ) ، وقيلَ أَيْضاً : إنَّه مِن الج نِّ بمنْزِلَةِ آدَمَ مِن الإِنْسِ . وقيلَ : إنَّ الجِنَّ ضَرْبٌ مِن المَلائِكَةِ كانوا خُزَّانَ الأَرضِ أَو الجَنانِ ، فإن قيلَ : كيفَ اسْتَثْنى مع ذكْرِ المَلائِكَةِ فقالَ : ( فسَجَدوا إلاَّ إِبْلِيس ) وليس منهم ، فالجَوابُ : أَنَّه أُمِرَ معهم بالسُّجودِ فاسْتَثْنى أَنَّه لم يَسْجُد ، وا لدَّليلُ على ذلِكَ أَنَّك تقولُ : أَمَرْتُ عبْدِي وإِخْوَتي فأَطاعُوني إلاَّ عبْدِي ؛ وكَذلِكَ قوْلُه تعالَى : ( فإنَّهم عَدُوٌّ لي إلاَّ رَبّ العالَمِيْن ) ( 5 ) ، فإنَّ رَبَّ العالَمِيْن ليسَ مِن الأَوَّل ، لا يقْدر أَحدٌ أَنْ يَعْرفَ مِن معْنَى الكَلا مِ غيرَ هذا . كالجِنَّةِ ، بالكسْرِ أَيْضاً ؛ ومنه قوْلُه تعالَى : ( ولقد عَلِمَت الجِنَّةُ إِنَّهم لَمُحْضَرُونَ ) ( 6 ) ؛ الجِنَّةُ هنا المَلائِكَةُ عَبَدَهُم قَوْمٌ مِن العَرَبِ . وقالَ الفرَّاءُ في قوْلِه تعالَى : ( وجَعَلُوا بينَه وبينَ الجِنَّةِ نَسَياً ) ( 7 ) ؛ يقالُ : هُم هنا المَلائكَةُ إذ قالوا المَلائكَةُ بناتُ اللَّهِ . ومِن المجازِ : الجِنُّ من الشَّبابِ وغيرِهِ : المَرَحُ أَوَّلُه وحِدْثانُهُ ، وقيلَ : جِدَّتُه ونشاطُه . يقالُ : كان ذلك في جِنِّ شَبابِه أَي في أَوَّلِ شَبابِه . وفي الأَساسِ : لَقِيْتُه بجِنِّ نَشاطِه ، كأَنَّ ثَمَّ جِنًّا تُسوِّلُ له النَّزَغَاتِ ، اه . وتقولُ : افْعَلْ ذلِكَ الأَمْرَ بجِنِّ ذلك وبحِدْثانِه ؛ قالَ المُتَنخّلُ :
هامش
( 1 ) اللسان وفيه : " يعملون بلا أجر " ولم أجده . ( 2 ) الكهف ، الآية 50 . ( 3 ) الأنعام ، الآية 10 . ( 4 ) الجن ، الآية الأولى . ( 5 ) الشعراء ، الآية 77 . ( 6 ) الصافات ، الآية 158 . ( 7 ) الصافات ، الآية 158 .